للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[كيفية حمل مريم عليها السلام]

أقول: إنهم قالوا كلاماً -أيها الأحبة- تنخلع له القلوب في حمل مريم، ولكننا نحن الموحدين لله عز وجل لا نقول ما قالته النصارى تعالى الله عن ذلك، وحاشا لله وعياذاً به جل وعلا.

نقول وأقولها بداية: ينبغي على كل موحد لله ألا يبحث على الإطلاق عن كيفية الحمل، الله جل وعلا قال: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً} [مريم:٢١] فلا ينبغي أن نتتبع الطريق كما تتبعه النصارى، أو أن نزل كما زلوا؛ بأن نبحث عن كيفية الحمل، فنقول: كيف حملت؟ هل نفخ الله في درعها؟ هل نفث الله في جيبها؟ هل كان النافخ هو الله؟ هل كان النافخ هو جبريل؟ لا ينبغي على الإطلاق أن نبحث وراء كل هذه الأمور أبداً؛ لأن المؤمن يثق بوعد الله جل وعلا، وبكلام الله عز وجل، ويصدق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: {فَحَمَلَتْهُ} [مريم:٢٢] كيف؟ لا تسأل، هذا أمر هين أمام قدرة الله الذي خلق آدم من غير أب وأم، أيعجز عن خلق عيسى من أُم دون أب؟! سبحان الله العظيم! {فَحَمَلَتْهُ} [مريم:٢٢] انتهى الأمر بفاء التعقيب والترتيب، وحملت مريم بعيسى عليه السلام.

فهنا لو تتبعنا الإسرائيليات في كتب التفسير لوجدنا العجب، يقولون: إن مريم حملت بعيسى ووضعته في ساعة واحدة، وهذا أمر أيضاً هين أمام قدرة الله، لا نناقشه، لكن الذي عليه جمهور أهل التفسير: أن مريم عليها السلام قد حملت بعيسى حملاً عادياً كأي امرأة -وإن كان الأمر الأول كما قلت: هين أمام قدرة الله جل وعلا- فرد أصحاب الرأي الأول الذين قالوا: بل حملت ووضعت في ساعة واحدة وقالوا: إن الفاء في اللغة العربية تأتي للترتيب والتعقيب، فقال الله عز وجل: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} [مريم:٢٢ - ٢٣] أي: طلق الولادة، والفاء هنا للترتيب والتعقيب.

ولكننا نرد ونقول: إن فاء الترتيب والتعقيب تأتي وتعقب كل شيء بحسبه، ما الدليل؟ الدليل قول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:١٢ - ١٤] انظر إلى الفاء التي جاءت هنا في مراحل ثلاث، والحديث الصحيح يخبر بأن بين كل صفتين وبين كل حالتين أربعين يوماً.

إذاً: فاء التعقيب تأتي مع كل شيء بحسبه، وقد ورد في الحديث الصحيح من حديث ابن مسعود الذي رواه البخاري ومسلم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- يقول: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك -أربعين يوماً- ثم يكسى باللحم، ويؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

إذاً: قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن بين كل مرحلة وأخرى أربعين يوماً، فتعقيب كل شيء بحسبه.

((فَحَمَلَتْهُ)) [مريم:٢٢] حملت مريم حملاً عادياً، ولذلك لما رأى يوسف النجار -وكان بحدم معها بيت المقدس - معالم الحمل الحقيقية وبوادر الحمل ظهرت عليها، ذهب إليها -كما ذكر الإمام ابن كثير - وقال: يا مريم! إني سائلك عن شيء ولا تعجلي عليَّ فيه، فقالت مريم -وكأنها فهمت ماذا يريد أن يقول يوسف -: يا يوسف! قل ما شئت ولا تقل إلا قولاً حسناً.

فقال يوسف: يا مريم! هل يكون زرع بغير بذر؟ -يعرض لها في الكلام- وهل يكون شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولد بغير أب؟ قالت: نعم يا يوسف! قال: كيف ذلك يا مريم؟ قالت: يا يوسف! ألم تعلم أن الله تعالى خلق الزرع يوم خلقه من غير حب ومن غير بذر، وخلق الشجر يوم خلقه من غير غيث، وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ولا أم؟ قال: أقول: إن الله على كل شيء قدير، و {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يّس:٨٢].