للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الشفاعة العظمى واختصاصها بالنبي صلى الله عليه وسلم]

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم قال: هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وتدنو الشمس من الرءوس؛ فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد بلغنا؟ ألا تنظرون من يشفع لنا إلى ربنا؟ فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم, فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده, ونفخ فيك من روحه, وأمر الملائكة بالسجود لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم عليه السلام: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) -اللهم إنا نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ألا تنزل بنا غضبك أو يحل علينا سخطك, لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين-.

يقول أبو البشرية آدم وهو نبي من أنبياء الله: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي) -اللهم سلّم سلّم يا أرحم الراحمين-.

يا أخي! بالله عليك عش بقلبك مع هذه الكلمات, آدم أبو البشر يقول: (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً عليه السلام فيقولون: يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟) -نوح أول رسل الله في الأرض, ذلكم العملاق الذي ظل يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً, ذلكم النبي الكريم الذي دعا القوم في السر والعلانية، في الليل والنهار {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} [نوح:٥ - ٩] ما ترك هذا النبي الكريم سبيلاً إلا وسلكه، ألف سنة إلا خمسين سنة لم ينم ولم يهدأ، ولم يقر له قرار- فيقول نوح: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة فدعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري) لقد دعا نبي الله نوح دعوته، فلكل نبي دعوة مستجابة، كل نبي تعجل بها في الدنيا إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم, كما في صحيح مسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، وكل نبي قد تعجل دعوته إلا أنا فقد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فإنها نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئاً) اللهم ارزقنا التوحيد وتوفنا عليه يا أرحم الراحمين.

نوح دعا على قومه فقال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح:٢٦ - ٢٧] , لذا يقول: (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم) إلى الخليل والحليم الأواه وحبيب الله بلا نزاع, إلى هذا النبي الكريم الذي حرم الله على النار أن تمس جسده قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:٦٩].

(فيأتون إبراهيم الخليل عليه السلام ويقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وأنت خليل الله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول خليل الله إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويذكر إبراهيم كذباته, ثم يقول: نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري).

وهل كذب إبراهيم؟! والجواب من صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات اثنتين منهن في ذات الله، أما الأولى فقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:٨٩]) متى قال إبراهيم هذه العبارة؟ يوم كان شاباً صغيراً نشأ في قوم يعبدون الأصنام, ودعاه والده ليخرج مع القوم في عيد عبادة الأصنام، فتعلل إبراهيم بالمرض فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:٨٩]؛ لأنه لا يريد أن يسجد لغير رب العالمين.

وأما الثانية فقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء:٦٣] وذلك عندما حطم الأصنام وعلق الفأس في رأس كبير هذه الآلهة المدعاة, فلما عادوا {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:٥٩] , فرد البعض بلغة التحقير التي هي ديدن الظالمين في كل زمان وأوان: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:٦٠ - ٦١] , ثم وجهوا له هذا

السؤال

{ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء:٦٢ - ٦٣].

وأما الكذبة الثالثة: فهي يوم أن خرج مهاجراً بزوجته سارة فنزل مصر، وكان في مصر في ذاك الزمان جبار من الجبابرة -أسأل الله أن يطهر مصر من الجبابرة في كل زمان وأوان- فلما مر بـ سارة عليها السلام نقل بعض الناس لهذا الجبار: إن رجلاً قد نزل بأرضنا معه امرأة من أجمل الناس.

فأرسل هذا الجبار الخبيث بالشرطة، فجاءت لإبراهيم فأخذوه إلى الجبار، فقال له: من هذه؟ فقال إبراهيم: إنها أختي.

ولم يقل إنها زوجتي؛ فلو قال: إنها زوجتي لقتله ليخلص إليها, فقال: إنها أختي.

ثم عاد إبراهيم فقال لها: يا سارة! لقد سألني هذا الرجل عنك فقلت له: إنها أختي؛ فإنه لا يوجد على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في دين الله جل وعلا, فإن سألك فصدقيني ولا تكذبيني.

ثم أرسل هذا الخبيث الجبار إلى سارة فأتي بها, فلما دخلت عليه ونظر إليها قام إليها ليلمسها بيده، فشلّ الله يده -والحديث في صحيح البخاري - ووقف فقال لها: ادعي الله عز وجل ولا أضرك بعدها, فدعت الله فأطلق الله يده, فقام إليها الخبيث مرة ثانية ليتناولها بيده فشلّ الله يده, فقال: ادعي الله ولا أضرك بعدها, فدعت الله فأطلقت يده, فنادى على بعض حجبته وقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان، اخرجوا بها وأخدموها هاجر , فأعطاها هاجر عليها السلام؛ لتخدمها وهي التي تزوجها إبراهيم بعد بذلك.

فعادت سارة بـ هاجر فرأت إبراهيم يصلي لله جل وعلا, فلما انصرف من صلاته قال: مهيم -أي: ماذا فعل الله بك؟ - فقالت سارة: رد الله كيد الفاجر وأخدم هاجر، أي: وأعطاني هاجر خادمة لي.

وهكذا صان الله عرض نبيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام, هذه كذبات إبراهيم على هامش الحديث الذي نحن بصدده، أرجع إلى حديث الصحيحين، يقول إبراهيم: (نفسي نفسي نفسي -وذكر كذباته التي ذكرت الآن- اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى) إنه الكليم والمصطفى بالرسالة، والمجتبى بالكلام، والمصنوع على عين الله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:٣٩] اصطفاه الله برسالاته وبكلامه على جميع الخلق.

فيأتون موسى فيقولون: (يا موسى! أنت كليم الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول موسى عليه السلام: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري -حتى الكليم يقول: اذهبوا إلى غيري! - اذهبوا إلى عيسى -يقول الحبيب محمد:- فيأتون عيسى عليه السلام ويقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول عيسى عليه السلام: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله, اذهبوا إلى غيري، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى محمد بن عبد الله).

فهو والله التجارة الرابحة من سار على دربه نجا في دنياه وأخراه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم, ولم يذكر عيسى صلى الله عليه وسلم ذنباً من الذنوب، فيقول الحبيب المصطفى: (فيأتوني فيقولون: يا رسول الله! لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول المصطفى: أنا لها أنا لها -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، لا يقول ولا يجيب إلا الحبيب- يقول: فأقوم فأخر ساجداً لربي تحت العرش، ثم ينادي عليه الملك جل جلاله ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع, فيقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: يا رب! أمتي، يا رب! أمتي، يا رب! أمتي) هو الحليم الأواه صاحب القلب الكبير والرحيم, الذي قال الله في حقه: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:١٢٨].

قرأ يوماً قول الله في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أ