للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أخلاق مهمة يحتاج إليها الداعية]

ولا شك أن الداعية إلى الله يحتاج إلى كم من الأخلاق في سبيل إنجاح مهمته، فإنه يحتاج إلى الحلم والرفق، واللين والصبر، والرحمة والعفو، والتواضع والإيثار، والشجاعة والأمانة، والحياء والتفاؤل، والكرم والزهد، والقصد والاعتدال وغير ذلك، ولن نستطيع أن نلم بهذه الأشياء وبأكثر منها في هذا المقام، فنأخذ بعض الأخلاق التي تعين الداعية على النجاح في دعوته.

ولنعلم بادئ ذي بدء -أيها الأخوة! - أن من أهم الأشياء في الدعوة أمورٌ ثلاثة: العلم قبلها.

والرفق معها.

والصبر بعدها.

(العلم والرفق والصبر) هذه من أهم المهمات في عالم الدعوة إلى الله، صاحب الأخلاق الحسنة قدوة بذاته، أخلاقه تدعو الناس إلى الانجذاب نحوه، إن سَمته ليجذب من حوله فيأتون إليه، وهناك تكون الفرصة للتأثير أكثر مما لو ذهب إليهم، مع أنه ينبغي أن يأتيهم، فهذا الخلق هو الذي يجذب الناس كما تجذب الأزهار النحلة، وإذا أتي الداعية فإن المهمة تسهل عليه، تأمل في قصة يوسف عليه السلام: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:٣٦] فإذاً اُشتهر وعُلم عندهما أن يوسف عليه السلام من المحسنين، فكيف حصل هذا التصور والانطباع عندهما بأن يوسف من المحسنين؟ يوسف عليه السلام دخل السجن متهماً بجناية شنيعة، ومن شأن البريء الذي سُجن متهماً بجناية شنيعة أن يتحطم نفسياً، لكن هذا النبي الكريم لا يمكن أن يحدث له ذلك، فإنه عبد الله تعالى في السجن وظهرت عليه سيما الصالحين، وذلك نتيجة عبادته ولا شك.

دخل وعليه سيما الصالحين، وهو يعبد ربه في السجن، ولذلك قالا له: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:٣٦] أي: إن حالتك التي رأيناها تدل على أنك من أهل الإحسان، هذا ظنهما به.

ويدل على ذلك أيضاً: أن أحد الرجلين الذي خرج من السجن ورجع بعد ذلك يستفتي يوسف، قال له: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف:٤٦] فإنه وصف يوسف بالصدِّيق، فلما انجذب المدعو إلى الداعية من غير أن يقول له الداعية تعال، ولكن انجذب إليه نتيجة حسن الخلق، ونتيجة التعامل الحسن، نتيجة سيما الصلاح، ونتيجة العبادة، انتهز الفرصة ليذكرهما بالتوحيد أولاً، وأن الحكم لله، وأن الشرك حرام، قبل أن يجيب مطلبهما، ويبين في كلامه أن الظلم الحادث مرده إلى الشرك بالله، لا يصلح للداعية أن يتكلم عن جزئية والأصل منخرمٌ مهدوم، لكنه مع ذلك طمأنهما بأن العلاج موجود عنده: {قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف:٣٧] إنه إشاعة الثقة في نفس المدعو.

ثم انتقل انتقالاً لطيفاً، الله سبحانه وتعالى أعطاه على ما قال بعض أهل التفسير العلم بما سيأكلان: {لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف:٣٧] هذه معجزة أعطاها الله عز وجل ليوسف: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف:٣٧] انتقل انتقالاً لطيفاً ليعلمهم التوحيد: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [يوسف:٣٧] إلى آخر الآيات.