فصول الكتاب

[نماذج من المؤمنين الصادقين]

فتعال وقارن بين أهل الشبهة، الذين في قلوبهم شك من اليوم الآخر والرسول عليه الصلاة والسلام ومن البعث والنشور وعذاب القبر وبين المؤمنين الصادقين.

في السير بسند جيد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قام يخطب في الناس، يوم معركة أحد فقال للصحابة: ماذا تريدون؟ أنقاتل الأعداء في المدينة، أم نخرج للقائهم؟ فقال الكبار: نقاتلهم داخل المدينة يا رسول الله.

فقام شاب وهو نعيم بن مالك بن ثعلبة وقال: {يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: بم؟ قال: بخصلتين اثنتين، أولها: أني أحب الله ورسوله، والثانية: أني لا أفر يوم الزحف}.

يقول سعد بن أبي وقاص -والحديث في مسند سعيد بن المسيب من روايته وذكر ذلك الإمام أحمد وأبو يعلى - قال: [[لما حضرنا معركة أحد وقف بجانبي عبد الله بن جحش]] أحد الشباب الذين باعوا أنفسهم من الواحد الأحد.

ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا

فيا من باع نفسه بامرأة حسناء أو بسيارة فاخرة، أو بفلة بهية، أو بوظيفة أو بمنصب! والله لقد خسرت الدنيا والآخرة.

ويا من باع نفسه بمجلة خليعة، أو بأغنية ماجنة، أو بكأس أو بحبوب مخدرة، أو بمجلس آثم! والله لقد خسرت الدنيا والآخرة.

يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران

أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

يا ساعياً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران

أما القصور فزيناها، وأما المجالس فوسعناها، وأما السيارات فتفاخرنا بها، وبالأموال والمناصب، ولكن نشكو أحوالنا وقلوبنا وأعمالنا إلى الله! والله لا منجى ولا ملتجأ من الله إلا إليه.

فيأتي عبد الله بن جحش أحد الشباب، أتى بثيابه وسيفه لا يملك من الدنيا شيئاً، باع كل شيء لوجه الله، فوقف فقال: [[يا رب! اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم إني أسألك هذا اليوم أن تلاقي بيني وبين عدوي فيك، فيقتلني فيك، فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذنيّ، فإذا لقيتك يا رب قلت: يا عبد الله لم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب]] قال سعد: [[فوالله الذي لا إله إلا هو! ما انتهت المعركة إلا وقد رأيته مقتولاً مبقور البطن، مجدوع الأنف، مفقوء العينين، مقطوع الأذنين، قلت: فأسأل الله أن يلبي له ما سأل]].

وفي صحيح البخاري وهو أصل الحديث وأورده ابن كثير في تفسيره وغيره، وزيادته حسنة، أن عبد الله بن عمرو الأنصاري، والد جابر بن عبد الله، رأى في المنام قبل معركة أحد بليلة، أنه قتل في المعركة، فقام في الليل وصلى ركعتين، وأيقظ جابراً ابنه وقال له: [[يا بني! إني رأيت أني ممن يقتل غداً، فأوصيك بأخواتك خيراً]] ثم خرج إلى المعركة.

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود

فيا من بخل على نفسه بصلاة الجماعة! أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله.

ويا من حرم نفسه صدقة في سبيل الله! أصحاب الرسول عليهم الصلاة والسلام قدموا قلوبهم وأنفسهم في سبيل الله.

من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا

كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا

أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

فلما قتل عبد الله بن عمرو في المعركة، قال جابر -والرواية في البخاري -: {فأتيت أبكي، والناس ينهوني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني}.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا جابر! أتدري ما فعل الله بأبيك؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده لقد كلمه كفاحاً بلا ترجمان، فقال: تمن يا عبدي، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، فجعل الله روحه وأرواح إخوانه في حواصل طير} وهذا الحديث حسن بزيادة: {طير ترد الجنة فتشرب من مائها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها}.

وأنزل الله مصداق ذلك: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:169 - 170] فهؤلاء أهل البطولات، وهؤلاء أهل الصدق مع الله تعالى.