للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[خلاصة في معنى آية: (قل هذه سبيلي)]

هذه تعاليمه عليه الصلاة والسلام، ولذلك تفوق صلى الله عليه وسلم تفوقاً خالداً، شهد له به التاريخ، فنجح نجاحاً باهراً.

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف:١٠٨] سبيله ماذا؟ طريقه ومنهجه ودستوره في الحياة، قبل أن يبعث إنساناً بعث داعية، لكنه داعية إنسان، ومبشر إنسان، ومنذر إنسان: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ} [المرسلات:٤٥] فالحصر هنا جعل مهمته الإنذار فحسب.

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف:١٠٨] وهي الطريق التي يسيرها محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه من العلماء والدعاة وطلبة العلم.

(أدعو) وهذه لوحة شرف يحملها كل من دعا إلى منهج الله، والدعاة هم أشرف الناس بهذا، وهم أحظ الناس بهذا اللقب، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:٣٣] وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف:١٠٨] ما أحسن العبارة.

{أدعو إلى الله} [يوسف:١٠٨] أنا لا أدعو إلى نفسي، ولا أدعو إلى كياني أو شهرتي، أو منصبي، أو أغراضي، لا.

يا مسلمون! إن الدعاة اليوم والعلماء يدعون إلى الله على بصيرة، ليس عندهم ألغاز وأحاجي، فمبادئهم تعلن كل يوم خمس مرات من على المنبر، ما عندهم تكلموا به، يعلمون الناس: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج.

يعلمون الناس: السلوك والأدب والأخلاق، هذا ما عندنا وما عند الدعاة والعلماء وطلبة العلم؛ لأننا ندعو إلى الله.

ثم قال {عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف:١٠٨] وأي بصيرة كهذه البصيرة التي يعيشها العلماء والدعاة في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد الإسلامية في العموم الغالب؟

أليست بصيرة التوحيد؟ وهو موجود.

وبصيرة الحكمة؟ وهي موجودة.

من الذي كلما سلَّ الخوارج سيوف الفتنة لإزهاق الأرواح وإسالة الدماء قالوا: حرام؟ إنهم العلماء والدعاة، من الذين كلما هاج هائج وماج مائج قالوا: حرام فوقف مكانه؟ إنهم العلماء والدعاة، ومن الذي كلما أتى حداثي وزنديق ومارق ليشعل الفتنة ويستهزئ بالدين ويلطخ الشريعة، قالوا: حرام، فوقف؟

إنهم العلماء والدعاة، فهم يدعون إلى الله على بصيرة وعندهم المادة: العلم الشرعي، الكتاب والسنة، ولديهم الحكمة: يعرفون التدرج، أطباء القلوب، وساسة الأمة، ويوم تفقد الأمة العودة إلى العلماء؛ تخسر الصفقة، ويفوتها حظ وافر من القيادة والريادة، وربما تخفق في مسيرتها، ويوم يبتعد العلماء عن الشباب، ولا ينزل العلماء لقيادة الشباب تقع المسيرة في اضطرابات لا يعلمها إلا الله، وتنتهي الأمة إلى هاوية سحيقة من التشتت والتمزق والدمار.

والعلماء هم الرواد، وهم مدعون وقد فعلوا: والشباب مدعون وقد فعلوا: إن يلتحموا بالعلماء، وأن ينظروا إلى هذه القمم أنها شموع ومعالم في طريقهم إلى الله عز وجل لا بد أن يُسمع لقولهم، وأن يعاد إليهم، وأن يشاوروا، وأن تحترم آراؤهم؛ لأنهم أعقل وأعلم، وأصدق وأخلص.

هذا الذي يجب على رواد هذه المسيرة أن يفعلوه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي} [يوسف:١٠٨] من الدعاة والصالحين، والعلماء وطلبة العلم: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:١٠٨].

توحيد في أول المسيرة وتوحيد في آخرها: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:١٠٨].

لم تكن دعوته صلى الله عليه وسلم رياءً ولا سمعة، وإنما كانت توحيداً خالصاً، يوم ينزل الإنسان ويدخل الدين يقول: (لا إله إلا الله): ويوم يموت، يموت على (لا إله إلا الله) {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد:١٩] فنسأل الله بصيرة وحكمة، وتوفيقاً وفقهاً في الدين.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفق ولاة الأمر لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بأيديهم لكل خير، وأن يوفق عامة المسلمين، وأن يهدي شبابهم، وأن يرد ضالهم، وأن يتوب على تائبهم، وأن يغفر ذنوبنا جميعاً.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

<<  <  ج:
ص:  >  >>