للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[التثبت قبل الندم]

خامسة المسائل: الأصل في التثبت كما قلت قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:٦] وقرأت: (فتثبتوا) وكلتا القراءتين صحيحتان.

قرأ ابن مسعود (فتثبتوا) وغيره من علماء التابعين، وقرأ الجمهور (فتبينوا)؛ والتبين والتثبت بينهما اشتراك نسبي في المعنى.

وفي الآية أن الفاسق هو الكاذب، وقيل: هو الذي لا يستحي من الله، وقيل: هو الذي يختلق الأمور، وقيل: هو المبالغ على سبيل الافتراء.

أما سبب الآية: فقد ذكر المفسرون كـ ابن جرير وابن كثير والقرطبي، أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسل الوليد بن عقبة ليأخذ صدقات بني المصطلق، وكان بين الوليد هذا وبين بني المصطلق بعض الأمور، فسمع بنو المصطلق أن الوليد سوف يقدم فتهيئوا لاستقباله؛ لأنه من عند الرسول عليه الصلاة والسلام على حد المثل الذي يقول: (من أجل عين تكرم ألف عين) من أجل كرامة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خرجوا لاستقباله صفوفاً، فلما رأى الاستقبال أمامه، ظن أنهم يريدون البطش به، لإحن كانت بينه وبينهم، فرجع إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: وجدتهم يا رسول الله! لا يصلون، ورفضوا إعطاء الزكاة، وأرادوا قتلي فنجاني الله.

فنزل جبريل بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الحجرات:٦] ولم يقل: (يا أيها النبي) لأن الشرع سوف يستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولأن هذا القرآن يخاطب به الأفراد والشعوب والقرون قرناً بعد قرن، ولأنه دستور خالد، قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:٦].

فأرسل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجنة استشارية تستكشف الوضع، وتدرس ماذا تم في هذا اللقاء، فوجدوا أن هذا أخطأ وفسق في الخبر، وفيه دليل على أن الفاسق لا يكفر ولا يخرج من الملة، والفاسق كالكاذب وشارب الخمر والزاني، فإنه يبقى مسلماً، لا نحكم عليه بالكفر ما لم يأت بمكفر.

<<  <  ج:
ص:  >  >>