فصول الكتاب

[سن الأربعين وما بعدها]

ثم يصل الإنسان إلى الأربعين، فإذا الله يقول: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [الأحقاف:15].

الأربعون تمام العقل، وتمام القوة والإرادة والعزيمة، الأربعون رقي في الفهم، ونضوج في الإدراك والمعرفة، يقول بعض العلماء: إذا بلغ ابنك الأربعين ولم يهتد فاغسل يديك منه، لأن الله يقول: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} [الأحقاف:15] لكن بعد أن يصل الأربعين ثم لم يهتد، ولم يتعرف على بيوت الله، ولم يسجد لله، ولم يكن عبداً لله، ولم يخلص لله، فاعلم أنه مجرم إلا أن يتداركه الله، ما بعد الأربعين شيء، ويصل القرآن مع الإنسان، فإذا شيبه قد أنذره، قال ابن عباس: وهو يقرأ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر:37] قال: النذير هو الشيب، من شاب رأسه أو شابت لحيته ثم لم يكن له رادع، ولم يكن له منذر وواعظ، فاعلم أنه رجل مخذول أصابه خذلان.

يقول الإمام أحمد إمام أهل السنة لما رأى الشيب في لحيته في المرآة: والله ما وصفت الشباب إلا كشيء كان في يدي ثم سقط، يقول أبو العتاهية:

بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيبُ

ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ

أتدرون ماذا فعل المشيب؟! الآن الذين هم منا في السبعين والثمانين كلت أظفارهم، وضعفت أسماعهم، واحدودبت ظهورهم، وملوا الحياة، لا نوم ولا هدوء ولا لذة للطعام، قال تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ} [يس:68] ومن نعمره في الحياة نعيده، فيصبح أكله كأكل الطفل، وإدراكه كإدراك الطفل، أفلا يعقلون؟ يقول أحد الشعراء:

إذا الرجال ولدت أولادُها وأخذت أسقامها تعتادُها

وكثرت من مرض عوادُها فهي زروع قد دنا حصادُها

(إذا الرجال ولدت أولادها) إذا أتى لأولادك أولاد وأصبحت جداً، فانتظر الموت، وانتظر لقاء الله، قال سفيان الثوري: من بلغ الستين فليشتر كفناً.

(وكثرت من مرض عوادها) يعاد في المستشفى وفي البيت وفي الطريق، سعال، وسهر وزفرات، وشكوى من السبعين والثمانين.

نام قيس بن عاصم المنقري وعنده عشرة أبناء، وكان أغنى العرب، لكن كل شيء له دواء إلا الهرم، وكل شيء له علاج إلا كبر السن، كان عنده عشرة من الأبناء، وهو سيد قبيلة بني تميم، وعنده من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم ما الله بها عليم، لكن ما كان ينام الليل، وكان عمره ثمانين، إذا أتى لينام أتاه السعال والزفرات والهم والغم، فيقول له أبناؤه أزعجتنا، ما تركتنا ننام، فنظم قصيدة:

قالوا أنينك طول الليل يزعجنا فما الذي تشتكي قلتُ الثمانينا

أشتكي الثمانين، وأبكي من ثمانين سنة.

لكن ما هو الختام؟ وما هو التاج الذي يمكن أن يتوجه الإنسان لحياته؟ إنه العمل الصالح، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام:94].