للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أحوال الناس مع ظلم العباد]

وذاك غاد آخر ليهلك نفسه، ويهلك نفسه بأي شئ؟ بظلم عباد الله، ناسياً قول الله: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم:٤٢] متناسياً أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، متناسياً أن الله يرفع دعوة المظلوم فوق الغمام، ويقول: {وعزتي وجلالي! لأنصرنك ولو بعد حين}.

قطع من الله وعهد من الله، يوم يجمع الأولين والآخرين، يقول: {أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وعزتي وجلالي! لا تنصرفون اليوم ولأحد عند أحد مظلمة، وعزتي وجلالي! لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم} لن يجاوز جسر جهنم أحد وهو ظالم، حتى يقتص الله تبارك وتعالى منه وهو العدل سبحانه وتعالى ويأبى الظلم حتى لو كان على كافر.

هاهو سعيد بن زيد تأتيه امرأة فتشكوه إلى معاوية -رضي الله عنه- بأنه غصبها أرضها -وما كان لمثل سعيد أن يغصبها أرضها- فيقول: لقد ادعت عليك بأنك اغتصبت أرضها، فتدمع عيونه، ويقول: والله! ما كنت لأفعل ذلك، فلقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين}.

أو كما قال، فلتضم أرضي إلى أرضها، وبئري إلى بئرها، ونخلي إلى نخلها، فإن كانت صادقة فذاك، وإن كانت كاذبة فأعمى الله بصرها، وأرداها في أرضها.

ويشاء الله ويعمي بصرها، وتذهب في هذه الأرض لا ترى، فتسقط في البئر متردية بدعوة المظلوم التي سرت في جوف الليل.

والبرامكة في عهد هارون الرشيد ماذا كان منهم؟ ما كان منهم إلا أن طغوا، وتجبروا، وظلموا، وتكبروا، حتى إنهم طلوا قصورهم بالذهب والفضة، ويوم يشاء الله عز وجل أن يقتص للمظلومين في هذه الحياة، وينتقم للمظلومين في هذه الحياة، فيسلط الله عليهم الخليفة، فيسجنوا ويقتل منهم من يقتل، ويسجن كبيرهم، ويدخل عليه أحد أبنائه في يوم عيد ويقول: أبتاه! بعد العز والغنى أصبحت في السجن وعلى التراب، قال: ألا تدري؟ قال: لا.

قال: يا بني! دعوة مظلوم سرت في جوف الليل، نمنا عنها وليس الله عنها بنائم.

لكن المظلوم لا ينام، لا تنام له عين، وإنما يناجي الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وبعض الناس -يا أيها الإخوة- جنَّد ظلمه على عباد الله، على الذين يريدون أن ينشروا النور بين عباد الله، فله عند الله -إذ هو من الصادين عن سبيله- النار وبئس القرار إن لم يعد إلى الله جل وعلا.

أما صنف آخر: دنيء سلط ظلمه على الحيوانات، شجاع لكن على القطط، جريء لكن على الكلاب، تجده يعبث فيها، يدوسها بسيارته، يقتلها، يتفنن في قتلها، وسأذكر لكم حادثة لهذه الحيوانات: في صحيح مسلم: {أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطًا من حيطان الأنصار -بستان- وإذ ببعير يأتي يجرجر وتذرف دموعه من عيونه - دموع البعير- فيقترب من النبي صلى الله عليه وسلم فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: لمن هذا البعير؟ قال فتى من الأنصار: لي أنا يا رسول الله، قال: أما تتق الله في هذه الدابة التي ملككها الله؟! تجيعها وتتعبها، لقد شكا إلي مما يلاقي منك}.

بهيمة سخرها الله لك، أفتظلمها وهي لا تستطيع أن تمتنع منك؟!

ورجل آخر أعرفه في قرية من قرى الجنوب، هذا الرجل جاء يوماً من الأيام فجاءه حمار على برسيم له، وتقدم على هذا البرسيم فأكل منه، فطرده، فجاءه في اليوم التالي، وكل يوم يذهب ويعود إلى هذا البستان ليأكل من هذا البرسيم، فأخذه في ليلة من الليالي -يوم قلَّت مراقبة الله عز وجل في قلبه- وربطه بسيارته وهو حي، ومشى به على الأسفلت حتى قطعه قطعاً، ويوم عاد ليدخل بيته، فإذا بيته مليء بالبعوض، فأخذ المبيد الحشري، ثم قام يرشه في هذه الغرفة، ويرشه حتى امتلأت بهذا المبيد، ثم أراد أن يضيء المصباح، ومع إضاءة المصباح قدحت هناك شرارة، فاشتعلت الغرفة عليه فأحرقته، وبعد ثلاثة أيام يلقى الله جل وعلا.

نسأل الله أن يعاملنا وإياكم برحمته، وأن يختم لنا بحسن الختام.

يا أيها الإخوة: ظلم الحيوانات ظلم كبير يا أيها الإخوة! فما بالكم بمن يظلم الإنسان الذي كرمه الله عز وجل؟

والأمثلة كثيرة: طاغية كان له قصر- ذكر ذلك وهب بن منبه، ذكره الذهبي في كتاب الكبائر - وجاءت عجوز ليس لها إلا الله عز وجل فبنت كوخاً خلف القصر، وخرجت يوماً من الأيام تبحث عن رزقها، فنزل هذا الرجل يتفرج في قصره، وإذ بهذا الكوخ يشوه منظر القصر، فما كان منه إلا أن قال: لمن هذا الكوخ؟ قالوا: لعجوز لا تملك إلا هذا، قال: اهدموه، فهدموه، فجاءت -ويوم جاءت- فإذا هو مهدوم، قالت: من هدم كوخي؟ قالوا: هذا الطاغية.

فرفعت يديها إلى الله، وقالت: يا رب! إن كنت أنا غائبة فأين أنت؟ فقلب الله القصر على من فيه: {وعزتي وجلالي! لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم}.

يا ليت الظلمة يعلمون ذلك: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا}.

يأتي رجل من الدعاة إلى الله ينصح وزيراً من الوزراء، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، يريد حياته، وذاك يريد موته، فيلطمه لطمة على خده، فيرفع يديه، ويقول: اللهم إنه لا ناصر لي إلا أنت، أسألك يا رب أن تقطع يده كما لطم خدي، وبعد أيام يؤخذ من قصره، وتقطع يده، وتؤخذ أمواله، ويوضع في السجن طريداً وحيداً فريداً، فقام يكتب على الحيطان:

ليس بعد الحياةِ لذةُ عيشٍ يا يميني بانت يميني فبِيْنِي

ويكتب على الحيطان ويبكي:

إذا ما مات بعضك فابك بعضاً فإنَّ البعضَ من بعضٍ قريبُ

{وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم:٤٢].

آخر يغدو: ليعتق نفسه، لا يظلم أحداً، إن تكلم فبالعدل، إن حكم فبالعدل، إن خاصم فبالعدل، إن عاهد فبالعدل: {والمقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.

وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.