للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أحوال الناس مع الغناء]

وذاك يغدو ليهلك نفسه، ويقسي قلبه بسماع الغناء الماجن، الذي حرمه الله جل وعلا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان:٦] وكأنه لم يسمع قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف}.

والمعازف جميع آلات اللهو بأنواعها، ومع ذلك نشتري الخنا بدراهمنا وأموالنا، وندخله إلى بيوتنا لتتفسخ الأسر، ولتتحلل الأسر، وبأموالنا نضعه في بيوتنا، فيخرج الأبناء منها عققة، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام.

والآخر يغدو ليسمع آيات الله، ليسمع كلام الله عز وجل يقرع قلبه، فيلين قلبه، وتدمع عينه، ويطيع ربه، ويدخر الله له غناء ليس كهذا الغناء، غناء الحور العين في جنة عدن، عند مليك مقتدر.

وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

والكلام يطول في هذه العبارة.

فيا من غدا لإعتاق نفسه! جِد واجتهد، واغتنم، ولا تأمن، وسل الله الثبات حتى الممات، وأكثر من قول: يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك.

ويا من غدا لإهلاك نفسه وإيباقها! وأمهله الله عز وجل دعوة لك، ودعوة إلى كل من أمهله الله عز وجل: عد إلى الله، بادر في فكاك نفسك ورقبتك من النار في زمن الإمكان، عد إلى الله تجد الله تواباً رحيماً، هو القائل: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:٣١] هو القائل تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] ونعم الجزاء جزاؤهم، هو القائل: {يا بن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة} {يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها}.

هو القائل: {يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم}.

هو الرحيم تبارك وتعالى، هو من سبقت رحمته غضبه تبارك وتعالى وإليكم هذا الحديث: جاء سبي إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وبين السبي امرأة والهة على ولدها، ضيعت ولدها، رسول الله يراقبها، تبحث بين الأولاد عن ولدها، تأخذ هذا وترمي هذا، وعندما وجدت ولدها أخذته وضمته على صدرها، فيقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا والله، وهي تستطيع ألا تطرحه، قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها}.

فيا من رحمته وسعت كل شيء: ارحمنا برحمتك.