للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حكيم التابعين الحسن البصري]

الحسن رحمه الله تعالى في سيرته العجب العجاب من هذا يحيى بن المختار ينقل عنه أنه قال: 'إن المؤمن قَوَّام على نفسه يُحَاسِب نَفْسَه لله - عز وجل - قبل أن يُحَاسَبَ, ويَسْألها قبل أن يُسْأَلَ -هذا حاله مع نفسه- وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، فمن حاسبها في الدنيا خف عليه الحساب يوم القيامة، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة ' وتلقوا هذا الدين عادات, فوجد من قبله يصوم ويصلي, فأخذ يصوم ويصلي, وليس هناك من استشعار للخوف, ولا محاسبة للنفس، ولا تفكر هل هذا العمل قُبل أم لم يقبل؟ المهم أننا أديَّناها وانتهينا, إن كانت صلاة أو صياماً، أو حجاً, فعلنا كما يفعل الناس وانتهى الأمر، والتفكير والهم في حياته وشأنه وإقامته وترحاله في الدنيا، وهموماً، في المال، والولد، والوظيفة، والترف، والنعمة، وأمور كثير.

فالدنيا مشغلة ملهية, من يهرب منها فإنها تطارده, أما من يستسلم لها فإنها تقيده بحيث لا يستطيع إذا جاء الموت أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله, أو يقال له: يا فلان, بم توصي؟ هل توصي من مالك بشيء؟ وهل يُتَصدَّقُ عنك؟ وهل لديك وقفٌ توقفه؟ فبدلاً من أن يتكلم بالأفضل أو الأصلح, فإنه يتكلم في الشهوات والمعاصي والذنوب, وأخف منه الذي يقول: اطلبوا الدين الفلاني, وانتهوا من بناء العمارة الفلانية, واشتروا كذا, وافعلوا كذا, وخذوا مالاً من عند فلان, وافعلوا وهذا كثير قديماً وحديثاً, نسأل الله العفو والعافية! لأن هذا هو الذي كان همه في الدنيا فاستحضره في تلك اللحظة, فلذلك هذا حالهم؛ فالذين حاسبوا أنفسهم في الدنيا, وكانوا يخافون الآخرة, خف عليهم الحساب عند الله تبارك وتعالى؛ وأما الذين غفلوا ونسوا ذلك, فإنه يثقل عليهم الحساب يوم القيامة؛ لأنهم يفاجئون بما لم يكونوا يحتسبون.

وقال: 'إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه, فيقول: والله إني لأشتهيك, وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من صلة إليك, هيهات هيهات! حيل بيني وبينك! ويفرط منه الشيء, فيرجع إلى نفسه, فيقول: ما أردت هذا؟ مالي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبداً!! إن المؤمنين قوم تفقهوا القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم '.

ولهذا كانت الدنيا سجن المؤمن, فليس كل ما يتمنى يأكل, ولا كل ما يشتهي وما يتطلع إليه يريده, ربما تدعوه نفسه إلى أمر من الأمور يشتهيه ويحلو له فيتذكر, ربما كان فيه شبهة، والناس اليوم يُذَكَّرون بالحرام فلا يرتدعون إلا ما رحم ربك, لكن من يخاف الله, ومن يخاف الآخرة فما فيه شبهة فإنه يتوقف وينزجر عنه, يتركه وهو من أحب الأمور إليه, وهو أشد شهوة وتعلقاً به, ويفوته الأمر هو أشد ما يكون حاجة إليه, فيقول: (لعل ذلك خيراً فالحمد لله على ما قضى وعلى ما قدَّر) , ولا تتطلع نفسه إليه، فإن كان خيراً فإنه يعلم أنه قد حرم منه بذنوب قد أصابها, وإن كان ذنباً أو معصية, فليحمد الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الذي عافاه منه، وهكذا حال المؤمن هو حال المحاسبة بجميع الأحوال.