للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أذلة على المؤمنين]

لما كان هذا الموضوع -موضوع الولاية- بهذه الأهمية، والتحذير عن موالاة الكفار بهذه المثابة وبهذه المنزلة، ذكر من صفات المؤمنين الذين يأتي بهم الله تعالى عوضاً عمن ارتد عن دينه، فذكر من صفاتهم أنهم أذلة على المؤمنين، كما علل الشيخ رحمه الله بأن هؤلاء يحبون الله، ويحبون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويحبون الدين، فمن كان من أهل الدين والإيمان، من أهل محبة الله، من عباد الله الصالحين، ومن أهل اتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنهم أذلة معه يعاملونه باللين والرحمة والشفقة وخفض الجناح؛ لأنهم ينظرون إلى دينه، وإلى محبوبه، وإلى غايته وهمه ومراده وهو الله واتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فيعاملونه بمقتضى ذلك، فهو أخوهم وحبيبهم وخليلهم وقريبهم، حتى لو أخطأ عليهم فإنهم يعفون عنه ويتجاوزن، ولا يغلظون عليه لقوة صلته بالله ومحبته له، ومن أحب الله حقاً فإنه لا بد أن يحب كل من أحب الله من الأحياء أو من الأموات.

حتى لو أنك فتحت كتاباً من كتب التاريخ -أي كتاب- فوجدت سيرة رجل عالم عابد داعٍ إلى الله، آمرٍ بالمعروف ناهٍ عن المنكر أحببته وليس بينك وبينه أي صلة، وقد يكون من بلاد الهند، أو الترك، أو أطراف الدنيا، لكن لما وجدت سيرته بهذه الحال، فإنك تحبه، وتترحم عليه، وتترضى عنه، وتسأل الله تعالى أن يكثر من أمثاله في هذه الأمة.

وكذلك لو لم يكن هناك أي رابطة إلا أن الإنسان المؤمن يقرأ عن الماضين أو المعاصرين في أقاصي الدنيا، أن رجلاً منهم هذا حاله وشأنه من البعد عن الله أو محادة الله ورسوله وارتكاب ما حرم الله؛ فإنه يبغضه.

إذاً: هذا أمر يكون في قلب كل مؤمن، ودرجته ومقداره تكون بمقدار إيمان الإنسان ومحبته لله، فكلما عظمت محبة الله تعالى في قلب العبد المؤمن عظمت محبة أولياء الله وأحباب الله، فيكون خافضاً للجناح ذليلاً أمامهم، ولاحظوا كلمة (ذِلة) والذل هل هو صفة محبوبة عند الإنسان أو مكروهة؟ إنها مكروهة فلا يوجد أحد يريدها، أو يتمناها، ولا يصف بها إخوانه، ولا يصف بها أحداً ممن يحب، ومع ذلك جاءت هذه الصفة في وصف هؤلاء، ولم يقل رحماء، وقد قال في الآية الأخرى عندما وصف الصحابة فيما بينهم: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:٢٩] لكن عندما ذكر شروط هؤلاء القوم، جاء بوصف أبلغ من مجرد الرحمة وهو الذلة؛ لأنك قد ترحم إنسان لكن أن تكون ذليلاً له فهذه مرحلة أعظم من ذلك، فهذا دليل على أن هذا الشرط مهم، ودقيق، وضروري، ولا بد منه لمن يريد أن يكون من هؤلاء القوم.

وعليه فإذا وجدت إنساناً غليظاً على المؤمنين، شديداً على الصالحين، عنيفاً على المتقين، بأي سبب؛ حتى لو يرى أنهم ظلموه في دنياه، أو خالفوه في رأي، أو فتيا؛ فاعلم أنه فقد صفة أساسية من هذه الصفات، ولا يمكن أن توجد الولاية أو المحبة لله عز وجل إلا مع وجودها، ولا بد من ترك ما يضادها.