للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[مواجهة الشباب الملتزم لسخرية العامة]

السؤال

إذا التزم الشاب وتمسك واجهته مشكلة كبيرة هي: سخرية العامة منه وخاصة من الأقارب، فمعظم الشباب يرجع على ما كان عليه، فكيف يواجه الشاب هذه السخرية؟

الجواب

السخرية والاستهزاء أوذي بها كل الناس، فهذا نوح -عليه السلام- وهو يصنع الفلك كان كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، فالسخرية لابد أن تأتي، وقد سُخِرَ واستُهزِئ بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستهزئ بالرسل من قبله كما أخبر الله تعالى، فلا جديد فيها، ولكن كيف نتعامل معها؟ أقول: ننتبه إلى أمر تربوي مهم، وهو أن الشباب المقبل على الله، حديث العهد بالهداية والتوبة لا نجعلهم في واجهة البركان، أو في واجهة التيار فلا يستطيعون المقاومة.

فالاستهزاء باللحية -مثلاً- أو بتقصير الثياب، أو ببعض السنن الظاهرة أكثر ما يواجه الشاب الملتزم الاستهزاء بها، أما الباطن فلا يمكن لأحد أن يعمله إلا الله، ومن هنا نقول: يعطى هذا الشاب الإيمان والهدى على جرعات؛ حتى يستقيم على هدى الله تعالى، ولا يعني ذلك أن نتركه يمشي على معصيته، لكن عندما أخاطبه فيكون راغباً في الحق أعطيه قليلاً قليلاً، أما إذا كنت أريد منه دفعة واحدة أن يذهب فيكسر الغناء الذي في البيت والموسيقى، ويحطم ما فيه من الصور المحرمة، ويقطع العلاقات بتاركي الصلاة من أقاربه، ويفارق الزوجة؛ فهذا في الحقيقة بدلاً من أنه كان مستسلماً طائعاً فسأجعله في معركة لا يستطيع أن يواجهها، وأتحمل مسئوليته بعد ذلك إذا انحرف، وكثيراً ما ينحرف الشباب بسبب الثقل.

لكن نريد من هذا الشاب أن يوغل في الدين برفق، ونحن نعينه على ذلك، لكن برفق في التربية، فيبدأ بالأساسيات أولاً، وكيف يعالج الأمور بحكمة؟ وكيف يكون في موقع دون أن يعصي الله تعالى، ولكن دون أن يثير عليه السخرية؟ أن نضمن أنه يستطيع أن يتحمل ما يعطى، كما يعطى المريض جرعات من التطعيم تجعله في النهاية يدخل بين المرضى ولا يبالي، فبدون تطعيمه لا تنقله بين المرضى، لكن أعطه من اللقاحات الكافية ثم اعمل له اختبارات حتى تطمئن عليه، بعد ذلك سينطلق ولا تخاف عليه، فهذه أمثلة من الواقع يجب أن ننتبه لها.

ويجب ألا نعرض مثل هذا الشاب لمشاكل، فإذا جاءنا هذا الشاب واستقام قلنا له: أترك عملك، إن كان له عمل! وتعال لتلتحق بدرس من الدروس في المسجد -مثلاً- فالحقيقة أنك حملته ما لا يطيق وعرضته لكلمات الناس، فيقال: اهتدى وترك الوظيفة، أو اهتدى وضيع عائلته، أو اهتدى وفعل كذا؟ فمن المسئول؟! أنا الداعية الذي قلت له هذا الشيء، بخلاف ما لو حذرته وحرصت على تربيته.

فمثلاً: يأتيك إنسان يعمل في بنك ربوي -ولا شك أن العمل في جميع هذه البنوك حرام- ومع ذلك إذا جاءك مثل هذا فلا تقل له اترك عملك، مع أن هذا هو الواجب؛ ولكن لو قلت له اترك، ما الذي يحصل؟ بعضهم ترك فجأة، فلم يجد عملاً، فعاد إلى البنك، وقال: لم أجد عملاً ويكون بخلاف ما لو أنك قلت له: ابق حتى تجد عملاً مناسباً.

ثم اجتهدت معه حتى يجد له عملاً مناسباً، ثم صبرته وقلت له: إن الله سيعوضك خيراً منه، ثم ينتقل بعد ذلك نقلة طبيعية ويضمن أنك كنت معه حتى انتقل، فتكون بذلك قد ضمنته، نعم مثل هذا الأمر وهذا العمل يجب أن يتركه، وإذا استطاع أن يتركه اليوم فلا يؤجل ذلك إلى الغد، لا شك في ذلك.

لكن نقول: هذا هو حال الحرام، فكيف يؤدي الواجبات أو الطاعات أو يطلب العلم؟! هل تربطه بحيث يبدأ يحفظ من العلوم، ويضيع اختصاصه الدراسي ويضيع الحقوق التي عليه، فتكون النتيجة أن يقول الوالدان والأهل: منذ أن تعرَّف على فلان، وبدأ يحفظ القرآن، بدأ يضيع المال، فلا يصح هذا! ولا يفيد ذلك شيئاً.

وأحياناً يقال: منذ أن تعرف على هؤلاء الشباب الطيبين ذهبوا به إلى المسجد، وبعد ذلك أصبح عاقاً لوالديه، كانت أخلاقه طيبة، كان يحب أمه وأباه، ويلبي لهم أي طلب، ولما اهتدى واستقام تركهم؛ لأنه لم يرب التربية الصحيحة.

ولذلك لو أن الآباء أصبح شعورهم أن الابن إذا استقام يعقهم، فسيصبح الآباء يدعون: اللهم لا تهدِ أولادي! ولهذا لابد أن نضع مناهج واقعية وجدية ومرحلية، بمعنى أن يكون الإيغال في هذا الدين برفق، وتربية الشباب عليه تربية صحيحة، ليضمن ثبات هذا الشاب بإذن الله في المستقبل.

وعلى أي حال نوصي هذا الأخ بالصبر، وكلنا من المأمورين بذلك.