للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[غياب دور الأب والأم في تربية الأبناء]

فماذا فعل الأب؟ وماذا فعلت الأم؟ بل ماذا فعلت المدرسة؟ وماذا فعلت وسائل الإعلام والصحافة؟ وماذا فعل المسجد؟ فلو اختبرنا هذه العناصر الأساسية في بناء الشباب وتربيته وتوجيهه؛ لوجدنا التقصير الشديد في حق هؤلاء الشباب، وقد يطول المقام لو ضربنا الأمثلة على هذه كلها؛ أما الآباء فأجزم جزماً -وعندي الأمثلة والأدلة عليه- أن بعضهم لا يدري عن ابنه أين ينام؟ وأين يذهب؟ ومن أين يأكل؟ ومن أين يأخذ مصروفه؟ بل بعضهم لا يدري في أية سنة يدْرس أبناؤه! وحصلت أمثلة كثيرة من ذلك.

فقد حدثني أحد مديري المدارس في الثانوية: أنه أرسل إلى أحد الآباء يطلب منه الحضور لمعالجة وضع ابن له، وهذا الابن طالب في الأولى الثانوية؛ قال: فتأخر الأب فقال له: لماذا تأخرت؟ قال الأب: ذهبت إلى المتوسطة، فقد كنت أظن أن ابني في الثالثة المتوسطة، فذهب إلى المتوسطة وهي في حي بعيد، وقال للمدير: طلبتموني فجئت، فقال له المدير: ما طلبناك، قال: بل فعلتم وأنا أبو فلان، فقال له المدير: سامحك الله؛ إن ابنك تخرج العام الماضي، فاذهب وابحث عنه في أية ثانوية ففكر الأب واتصل بالأم، ثم بحث عنه فوجده في مدرسة أخرى.

وهذا الموقف هو واحد من نماذج كثيرة، تبين أن الأب لا يدري شيئاً عن ولده، وبعض الآباء يقولون: شباب اليوم خائب، وليس فيه خير، وشباب اليوم كذا وينسون واجبهم هم.

إن مثل هذا النموذج قد يكون كثيراً، وإن التقصير أيضاً كثير، وإن عقوق الآباء للأبناء موجود، وكذلك الأم، فكثير من الأمهات يهمها حضور الحفلات والزيارات والتسوق والتجول، وتذهب هنا وهناك، ولا تدري عن أبنائها أو حتى عن بناتها شيئاً، والخادمات هن اللاتي يتولين تربية الأبناء، ولهذا فإن هناك من المفاسد والأضرار ما لا يتسع له المقام، قد حدثت كثيراً حتى من ناحية الصلة المعنوية والإحساس والشعور النفسي.

ولا بد أن كثيراً منكم قد سمع عن هذه الأسر: عندما سافرت الخادمة، بكى الأبناء بكاءً مراً، وهم يودعونها إلى المطار؛ والأم تسافر في العطلة، وتذهب أينما تشاء، ولا يبكي أحد من أبنائها لماذا؟ لأن الطفل يبكي على الحنان الذي سيفقده، وأما الحنان الذي لم يره ولم يشعر به فلا يبكي عليه؛ إنما يبكي على هذه التي عطفت وشفقت عليه، وحملته وربته وأرضعته.

إذاً: فالذي قام بهذه التربية هن أولئك مع أن فيهن ما فيهن، فمنهن التي ليست بمسلمة أصلاً، ومنهن التي لا تعرف من دينها شيئاً، ومنهن التي لو كانت عابدة تقية فأقل ما يمكن أن يتربى عليه الطفل أنه يتربى على لغتها وعلى مفاهيمها؛ وأمه تلك التي قد تكون عاملة أو مثقفة، لم يستفد ولم ينل من ثقافتها شيئاً.

إذاً: فنحن أضعنا البيت؛ الأم والأب أضاعوا الشباب، وهذه إيماءة أو إشارة إلى ما وراءها، ولا يخفى عليكم ما بعد ذلك.