للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أثر الفرد في بناء الأمة]

السؤال

قلت في كلامك: إن الأساس في الأمة هو الفرد، وإذا صلح الفرد صلحت الأمة، وبالمقابل فالفرد عندما يخطئ يقول: أنا فرد ولن يؤثر خطئي هذا في هذا الخضم من البشر، فكيف نوفق بين هذين القولين؟

الجواب

أضرب مثلاً على ذلك، يقال: إن أحد الملوك كان له وزيراً فطناً وكان يقول: الرعية فيها من يحبك، وفيها من يذمك، والملك يصر على أن الرعية ليست كذلك، ويظن أن كلهم على الصدق والإخلاص والوفاء له، وليس فيهم غشاش أو كذاب، والوزير يقول: أنا أعلم بالناس منك، وإذا أردت أن نختبر الناس حتى تعلم حقيقتهم، فافعل، ثم اتفقا أن يبني الملك قصراً ضخماً من جميع الجوانب، ويجعل فيه بركة وهذه البركة يريد الملك أن يجعلها من اللبن، ثم أصدر أمره إلى الناس جميعاً بأنه إذا رجع الناس من المرعى بالمواشي، أن يأتي كل منهم بإناء كبير من اللبن ويصبه في البركة، حتى لا يطلع الصباح إلا وهي ملأى، لكي يتنعم الملك ويتمتع بالنظر إليها، ففعل ذلك الاختبار، وحين عاد الناس في الليل بالمواشي، قال كل واحد منهم: لو وضعت ماءً فإنه لا يضير إناء ماء في بركة من اللبن، ولن ينتبه أحد؛ لأنه يمشي في الظلام، وقد تعمد الملك أن يكون ذلك ليلاً، فجاء الملك في الصباح؛ فوجدها قد امتلأت بالماء.

وهذه حالنا نحن المسلمين، وهذه المسألة -مع الأسف- واقعة في حياتنا، فإننا نسمع المحاضر يقول: شركات التدخين شركات يهودية وشركات نصرانية تحارب الإسلام وتفعل وتفعل، فتجمع ملايين الريالات من العالم الإسلامي لكي تحارب بها المسلمين، فيقول: الباكت بخمسة ريالات، وماذا تعمل لليهود والنصارى، فمثلاً لو اشترينا مليون (باكت) في جدة ومليون (باكت) في القاهرة ومليون في كذا ومليون في العالم الإسلامي، لاجتمع لليهود في ذلك اليوم ملايين من أجل (باكت)، وكذلك المجلات الخبيثة التي توزع على المكتبات بسعر الجملة (ثمانية ريالات) تقول له: لا تشتريها لأنك تساعد على نشر هذه المجلة الخبيثة، فيقول: ماذا يفيد! عدد واحد أشتريه من هذه المجلة! وكذلك آخرون، فإذا بصاحب المكتبة لم يبق عنده شيء منها.

فاشتريناها وروجناها، فكل واحد نظرته نفس النظرة، أنه ماذا يفرق ريال واحد، وماذا يفرق عدد واحد، وماذا يفرق باكت واحد وهذه مشكلتنا.

إذاً الإصلاح أولاً: يبدأ من الفرد، فإصلاح الأمم يبدأ من إصلاح الأشخاص، وكل منا على ثغرة، وكل إنسان عليه أن يتقي الله في عمله، فإذا أخذت الرشوة؛ انتشرت الرشوة بين الموظفين، وإذا قلت للناس: الأمانة ضعفت؛ وأمانتي أنا ضعيفة والناس كلهم يكذبون وأنا أكذب، وإذا قلت: إن الناس في غيبة ونميمة وفي حسد ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا واقع في نفس الشيء، فهو يريد أن يصلح غيره، وهو يسير كما يحب وكما تحب شهواته، لكن لا فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خاطب الإنسان، وخاطب نفسه ويبين له علاجها وأنه سيحاسبها منفردة، فإذا أنا أصلحت نفسي ونصحت غيري، وإذا كل واحد أصلح نفسه ونصح غيره؛ صلحت الأمة بإذن الله، ولكن إذا دعوت الأمة إلى الصلاح مهما دعوت، ولم أصلح نفسي، فإنه لن يستجيب الناس ولن يكون أثرها الصحيح أبداً.