للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[نصيحة للآباء والأبناء]

السؤال

فضيلة الشيخ: نرجو منكم توجيه الأباء ونصحهم، لأن البعض منهم قد يمنع ابنه من مخالطة الصالحين، بحجة أن ابنه قد يتشدد بالدين أو يخالفهم في ما هم فيه من عادات سيئة؟

الجواب

الحمد لله، الحقيقة أنه يجب أن تكون النصيحة للطرفين للآباء وللأبناء: أما الآباء كما هو موضوع السؤال، فلأنك أيها الأب أعظم وأحب من لديك في هذه الدنيا هم أبناؤك، تفتديهم بمالك بل وبنفسك، ولا شيء عندك أغلى من أبنائك، ولا شيء عندك أحب ولا أفضل مما يسعدهم ومما يبلغهم الفوز أو النجاح أو المستقبل الباهر، وأي فوز ونجاح ومستقبل أعظم من تقوى الله، ومن عبادة الله، ومن اتباع أمر الله ودينه، والفوز بالجنة! لا شيء أبداً.

فكيف تمنع ابنك من التزود بالإيمان، وتمنعه من التقوى والتقرب إلى الله والاجتهاد في الطريق الذي يُؤدي به إلى الجنة ويبعده عن النار، وهو حضور حلقات الذكر والعلم ومجالسة الأخيار، وإن كانت العادات، أو التقاليد، وإن كان ما كان.

لما فتحت علينا الدنيا في السنوات الأخيرة، تركنا عاداتنا كلها من أجل أن نحقق شيئاً من هذه الدنيا، بعض الحرف كنا ننظر لها على أنها غير طيبة، ثم وجدنا فيها الأرباح والمكاسب فتنافسنا فيها، بعض الأشياء التي كانت في الحفلات، وفي الولائم وفي أمورنا الخاصة، فلما وجدنا أن المادة تتحقق بخلاف العادات رمينا بالعادات جانباً من أجل أن نحقق الربح المادي، فكيف لا نرمي بالعادات جانباً في مقابل تحقيق الربح الأكبر؟! {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز} [آل عمران:١٨٥] فالفوز الأكبر أن يكون الإنسان مطيعاً لله ومتقياً له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأي قرة عين لك إذا كنت تدعو الله كما أمر عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:٧٤] فأي قرة عين لك خير من أن يكون لك ابنٌ نشأ في طاعة الله، ونشأ في عبادة الله فيكون ممن يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة؟! فربما شفع لك وأنت على ذنوب عظيمة، وربما ألحقك الله في درجته في الجنة وأنت على تقصير عظيم، لأن هذا الابن الصالح البار إنما هو منك.

فإذاً يجب على الآباء والمقصرين منهم -وكلنا مقصرون- أن نحمد الله بأن رزقنا أبناء صالحين يجبرون ما فينا من تقصير، ولعلهم ينفعوننا عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لأننا نحتسب تربيتهم ونحتسب تقويمهم وتوجيههم على الحق عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وأما النصيحة التي ينبغي أن تكون مزدوجة فهي إلى الشباب وإلى الأبناء، فلا ينبغي أيها الشباب المؤمنون الطاهرون أبداً أن يكون حالك مع أبيك قبل الهداية أفضل من حالك معه بعد أن اهتديت، كيف تكون هذه الهداية؟ والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان:١٥] فإذا كان هذا الحال معهم وهما يجاهدانك على الشرك والحمد لله ليس في آبائنا من يجاهدنا على الشرك، لكن بعضهم يجاهدنا على البدع أو المعاصي أو العادات الجماعية وهي أقل من الشرك فلا تطعهما، لكن: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لقمان:١٥] اتبع سبيلهم، واحضر حلقاتهم ودروسهم، واستفد منهم وشاركهم، لكن مع ذلك صاحب هذين الأبوين في الدنيا معروفاً، وكن باراً بهما وإن كانا كافرين، فلا بد من مصاحبتهم بالمعروف وإن كانا كافرين مجاهدين لك على الكفر.

فحقهما عظيم، ولهذا قرنه الله بحقه -كما تعلمون- ولا يخفى على أحد منكم حق الوالدين، لكن لا يأتيكم الشيطان من باب أنني اهتديت، وأبي يكرهني لأنني اهتديت، فما يأمرني أبي به فهو خطأ! لا يا أخي، قد لا يكون الكره لأنك اهتديت، لكن قد يكون الكره لأنك أخطأت في أمر من أمور الدنيا، فقد يكون لأنك لم تتوظف كما أراد، أو لم تبن كما أراد، أو خالفت بعض العادات وهو يرغب أن تتمسك بها، وهكذا لا نجعل الشيطان يأتي ويقول: كل هذه المعاملة لأنك اهتديت، فإذاً اجعل هدايتك سبباً لعقوق الوالدين.

لا، فإن من الهداية بر الوالدين، ولو أننا أحسنا إلى والدينا، وإلى جيراننا، وإلى أرحامنا، وإلى زملائنا وعاملناهم بالخلق الحسن الفاضل، لكان هذا أكبر مكسب في الدعوة.

وأنا أقول: أحب دائماً أن أسمع الآباء إذا مدحوا أبناءهم أن لا يأتوا بكلمة: لكنه، فتجده يقول: ولدي مستقيم وطيب والحمد لله يحفظ القرآن، ثم إذا سكت حمدت الله، ثم يقول: لكن فيه وفيه فأتألم والله، حتى ولو كان الأب على غير الصواب، لكن يجب أن يكون لديك حكمة لكي تقضي على (لكن هذه) وعلى ما بعدها، وأن تجعل محبة أبيك لك محبة حقيقية كاملة من جميع الوجوه، فإذا لم تكن حكمتي أنا كداعية تنفعني مع أبي وأمي وزوجتي وأبنائي، فأين أستخدمها، وأين يظهر أثر هذه الحكمة؟! فالحقيقة أن الموضوع مهم لأنه يتعلق بالعلاقات الأسرية، وفي كتاب الله عز وجل إذا كان الموضوع يتعلق بالعلاقات الأسرية تجدون أن الله يفصله تفصيلاً، ويربطه بالتقوى، ويكثر فيه الوعد أو الوعيد، وهذا شيء عجيب لماذا؟ لأن هذا عمل يومي، فمهما كان سبب نجاحك في الدعوة، ولو كان بيتك يضايقك فإنك لا تستطيع أن تدعو إلى الله، ولا أن تعبد الله أبداً؛ لأنه سوف يشوش عليك في صلاتك، وفي قراءتك، وفي عملك؛ وفي كل شيء.

فهذه من حكمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فلا نهضم هذا الجانب، ولعل النصيحة تكون ثلاثية لا ثنائية.

فأنصح المدرسين والموجهين أن يكملوا مهمة الآباء في البيوت ويبينوا للأبناء ضرورة بر الوالدين والإحسان إليهما مع عدم المجاملة في الحق أو المداهنة فيه، أو أن يعصى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إرضاءً لهما.

فالواجب هو على الأبناء وعلى الأباء وعلى المربين والموجهين وعلى المدرسين وعلينا أجمعين.