للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[معنى: أن العبد سائر بين مشاهدة التقصير ومطالعة المنة]

السؤال

هناك عبارة في كتاب مدارج السالكين هي: 'العبد سائر بين مشاهدة التقصير ومطالعة المنّة'، أرجو توضيح هذه العبارة؟

الجواب

عبارات ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى وأمثالها، عبارات عظيمة وعالية، وهي من أجود وأروع ما أبدعه العلماء أنهم عندما يتكلمون عن أعمال القلوب، يأتون بعبارات وبمصطلحات يجهلها علماء النفس المعاصرين.

مثلاً الصبر: يتكلم عنه أي إنسان، لكن أن تقول: إن الصبر يأتي على عشرة أوجه، أو على كذا، لا يستطيع أحد أن يقولها، وكذلك اليقين له معانٍ وتفصيلات، فكلها أعمال خفية باطنية قلبية، فكيف إذا قسمت عمل القلب إلى أعمال، فكيف إذا قسم العمل الواحد إلى درجات وأنواع! فهذا علم عظيم لا يمكن أن يتمكن منه أو يعلمه ويدركه إلا الراسخون في العلم، ولا شك أن السلف الذين تكلموا في هذا قد بلغوا الغاية, ولا أظن أحداً بلغ في هذا مثل ما بلغ ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله ورضي الله عنهما، وربما قد يسهل عليك فهم العبارة ولكن لا تستطيع بقلبك أن تستوعب المراد منها.

فمثلاً: عندما تسمع بعض الآيات لا تستطيع أن تشرحها أو تفسرها لغيرك، لكن يظهر في قلبك أن هناك معانٍ عظيمة جداً, وبما أنَّ هذا العلم مأخوذ من مشكاة القرآن والسنة، فهو يشبه إلى حد محدود مثل ما جاء في القرآن والسنة.

فالعبد في سيره إلى الله تبارك وتعالى بين مطالعة شيئين: التقصير والمنة، أي أن يعرف نفسه ويعرف ربه، تعرف ربك بجوده ومنِّه، وكرمه وفضله، فهو الذي هداك وأنعم عليك وأعطاك وعلمك، فأنت حتى لو عبدته وأطعته فالفضل له وحده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وتعرف نفسك بضعفها وجهلها وعجزها وتقصيرها ونسيانها ومعصيتها، فأنت كلك تقصير فلو وُكِلْتَ إلى نفسك طرفة عين لهلكت.

فأنت في سيرك إلى الله تبارك وتعالى لا بد أن تراعي الأمرين: أن تعلم نفسك وتقصيرها، وأن تطالع منَّة الله تبارك وتعالى عليك الذي له الفضل كله حتى في هدايتك وعبوديتك فإنك إن أطعته واتقيته فبمحض فضله وهدايته، ولك على ذلك الجزاء الأوفى في الجنة, وهو عز وجل غير محتاج إلى طاعتك, وهو تبارك وتعالى غير مطالب بإثابتك ومجازاتك، ولكنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة وفتح لك الأبواب، كما في الحديث الذي رواه أهل الشام {يا عبادي يا عبادي} فهو سبحانه يفتح لك الباب ويدعوك، و {يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل} فأنت المحتاج المضطر بذاتك إليه تبارك وتعالى.

ثم هو بعد ذلك لو فعل بخلقه ما شاء, لو لم يبعثهم ولم يجازهم، ولم يخلق الجنة ولا النار، فمن الذي يسأله، قال تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:٢٣]، ومع ذلك جعل لأهل التقوى الجزاء العظيم، الذي فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولأولئك العذاب الأليم الذي نسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظنا منه.

فهذه معانٍ قلبية قد يَقْصُرُ تعبيرنا نحن المتأخرين عن إدراكها ولكن نتأمل ونفكر فيها, ونحاول أن نشرحها وأن نفهمها، وأنا أنصح بمطالعة كتاب مدارج السالكين ما أمكن وغيره من كتب السلف , وإن شقت عليك بعض العبارات, فكلما طالعت كلما فهمت واستوعبت، أما قراءة المختصرات ومطالعة الكتب العصرية، أو الشروحات من كلام المعاصرين -وإن كان مأخوذاً من كلام المتقدمين- فإنه لا يغني طالب العلم عن الرجوع إلى نفس كلام المتقدمين رحمهم الله.