للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[من محاولات الهدم للإسلام]

ومن أعظم الأمور التي استهدفت المؤامرة للقضاء على هذا الدين: أولاً: القضاء على العقيدة الصحيحة؛ لأنهم يعلمون أنها هي الأساس، فإذا ذهبت ذهب الإسلام، وكادوا لهذا الدين أعظم الكيد في كل مجال، وكما تعلمون أنهم أغروا الدولة العثمانية -نتيجة اشتغالها وانغماس كثير من أئمتها وعلمائها في الخرافات والضلالات- بالقضاء على الدولة التي قامت بفضل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي قامت على التوحيد، وهي الدولة السعودية الأولى، فإنهم قضوا عليها، وقضت عليها مؤامرة الشر تلك.

واغتيل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، الذي كان معاصراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله والذي كان إماماً في العلم والتقوى والجهاد فوق كونه إماماً في الحكم، اغتيل على يد رافضي من أولئك المجوس، جاء إليه واغتاله كما اغتيل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأن هذا الإمام هدم النجف وكربلاء، وهدم تلك البقاع التي يشركون ويعبدون غير الله -تعالى- فيها.

ثم صفا لهم الجو بعد القضاء على هذه الدولة، وأخذوا يمزقون العالم الإسلامي كما يشاءون، حتى أنهم أحدثوا طرقاً صوفية جديدة، وأحدثوا فرقاً جديدة؛ وجاءوا على فرقة من بقايا المجوس، وهي الفرقة التي كانت تسمى العلي إلهية وكان الأتراك يسمونها العلي إلهية ومعناها الذين يؤلهون علي بن أبي طالب فسموهم العلوية وأخذوا يمهدون لهم لكي يمكنوهم في بلاد الشام، وأخذوا في كل مجال يهدمون العقيدة.

والمقصود أن الأساس الأول الذي أرادوا أن يهدموه هو العقيدة الصحيحة ويحلوا محلها الخرافات والضلالات، ولذلك فإن جميع الطرق الصوفية ومشائخها كانوا محل الاحترام من قبل المستعمرين.

حتى إن نابليون عندما قدم إلى مصر جمع مشائخ الطرق، وأقاموا المولد وحضر معهم واحتفلوا، وقال: أنا صرت واحداً منكم، وهذا دين عظيم، وهو دين تسامح ومحبة وأخلاق، لأنه لا يزعج أحداً لا مستعمر ولا عدو، وإنما فيه موالد ورقص وتسابيح وأذكار، وكلها ضلالات لا تقبل عند الله -عز وجل- وفي الوقت نفسه لا تضر أحداً من الأعداء، فكان الأعداء حريصين على أن يظل مثل هذا الدين موجوداً.

وفي الوقت نفسه حاربوا الإسلام الحقيقي والدعوة الحقيقية، وأخذت جميع الدول الاستعمارية تذكي في نفوس الناس، أن من يدعو إلى الكتاب والسنة فإنه وهابي، وأن هذه الوهابية فرقة خارجة عن الإسلام، ويجب على جميع المسلمين أن يحاربوها، فكل من دعا إلى الكتاب والسنة وإن كان لا يعرف شيئاً عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله سموه وهابياً تشنيعاً لمن يدعو إلى الكتاب والسنة، وتأييداً لأصحاب الضلالات والخرافات والبدع، فكان هذا هو الهدف الأول.

والهدف الثاني: أنهم قالوا: المرأة المسلمة هي الأساس، وهي التي تربي البيت المسلم والطفل المسلم على العقيدة الصحيحة، فلا بد أن نخرج المرأة المسلمة، فإذا أخرجناها فإنا نكون قد قضينا على هذا الدين، وقضينا على الإسلام، ومزقنا كيانه الاجتماعي، ومن هنا عملوا وبذلوا الجهود في تأسيس الجمعيات -أو الأحزاب كما كانت تسمى سابقاً- والمجلات النسائية، وأخذوا يفسدون المرأة المسلمة وينشرون الفساد في كل مكان لإخراجها، وينشرون السموم التي تدعوها إلى أن تطالب بحقها من الرجل، وأن لا يظلمها الرجل، وأن لا يمتهن كرامتها، وأنها جديرة بأن تقاوم، وجديرة بأن تحقق وبأن تفعل كذا حتى قضوا على الحجاب في أكثر البلاد التي دخلوها مع أنهم لما دخلوها كان لا يوجد فيها امرأة مسلمة لا تغطي وجهها، ولم يخرج المستعمرون إلا وأكثر البلاد لا توجد امرأة مسلمة تغطي وجهها إلا القليل النادر، وكان هذا بخطة ومؤامرة ذكية.

أيضاً هناك جانب ثالث قالوا: لا بد من الطمس والقضاء على الشريعة الإسلامية، وعلى الأحكام الإسلامية، ليحل محلها القوانين الوضعية، ففي الجانب الاقتصادي قضوا على الشريعة الإسلامية التي فصلت الأحكام في الربا، وفي الصرف، والرهن، وفي الوكالة، والكفالة، وفي القروض، والمساقاة، وفي المزارعة وفي كثير من الأحكام المذكورة في كتب الفقه.

وقالوا: الإسلام لاينظم الجوانب الاقتصادية، فجاءوا برباهم، وببنوكهم الاستعمارية، ونشروها بين المسلمين، ثم قضوا على الحدود، وقالوا -مثلاً-: الزاني كيف يرجم، أو يقتل، لكن قانون نابليون يقول: "إن كان الزوج راضياً فلا شيء على المرأة، لأن هذا حق شخصي للزوج يطالب به في المحكمة، وهناك عقوبة إما الغرامة وإما سجن مدة من الوقت" فغيروا -أيضاً- أحكام الشريعة، وأحلوا محلها قوانينهم الوضعية الإباحية الانحلالية.

هناك أيضاً جانب آخر -قد يغفل عنه الكثير، ولكنه مهم بالنسبة للأمة الإسلامية- وهو أنهم خططوا للقضاء على اللغة العربية، ونحن المسلمين لدينا استهانة عجيبة باللغة العربية، فلا نبالي حتى من كان منا على مستوى كبير في الثقافة أو في المنصب لا نبالي بما نلحن وما نخطئ في اللغة العربية، بينما الواحد منا إذا تعلم اللغة الإنجليزية مثلاً: لا يمكن أن يضع أي فعل من أفعال التكوين بدل الآخر، وإلا ضحك عليه زملاؤه، فأي شيء بسيط لا يمكن أن يكسره في اللغة الإنجليزية -مثلاً- لكن في اللغة العربية يكسر ما شاء، ويقول ما شاء، ولا رقيب ولا حسيب عليه، وهذا من قلة اهتمامنا بها ومن عدم معرفتنا لأهميتها.

فإنه عن طريق فهم كتاب الله وفهم سنّة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نعبد الله عز وجل على بصيرة، ولا يمكن أن نفهمهما إلا باللغة العربية، ففصلوا بين المسلمين وبين اللغة العربية، ونشروا اللغات الأوروبية نشراً قوياً، حتى أصبح الإنسان كأنه لابد في أكثر البلاد الإسلامية أو كلها حتى الدكان الصغير الذي لا يمر عليه أي أوروبي، ولا يشتري منه أي أوروبي ولا أمريكي أن يكتب بالعربي ويكتب بالإنجليزي، هذه الازدواجية هم الذين سعوا إليها وأرادوها، وأخذناها ببساطة وبغفلة شديدة.

ومن جانب آخر أحيوا اللهجات المحلية والتراث المحلي، ونبشوا الأصنام القديمة وأظهروها، ونبشوا الحضارات القديمة، وقالوا: هذه حضارتكم فجعلوا لكل قطعة من بلاد العالم الإسلامي حضارة مستقلة، فجاءوا إلى مصر -وهي ركن قوي في جسم الأمة الإسلامية- قالوا: أنتم فراعنة، وحضارتكم تمتد سبعة آلاف سنة، وجعلوا الفتوحات الإسلامية بأسماء غربية فقالوا: الغزو الفارسي، والغزو العربي، والغزو العثماني، هؤلاء كلهم غزاة غزو مصر.

وأحيوا الفينيقية، والآشورية، والبابلية، وفي كل بلد أحيوا الحضارات القديمة الوثنية، والتي يعود بعضها إلى آلاف السنين لينسى المسلمون أنهم أمة واحدة، وأنهم كالجسد الواحد، وأن تاريخنا قبل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظلام، وفوضى، وهمجية، وانحطاط، ويجب علينا أن نستحي أن نذكره، ولا نذكره إلا على سبيل الاستهجان، كما بين ذلك أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى النجاشي وقالوا: 'كنا نأكل الميتة، ونقطع السبيل' نفعل ونفعل، تاريخ أسود لا يجوز أن يذكر، ولا ينبغي لعاقل أن يفتخر به.

فجاءوا، وقالوا: لا بد أن تفتخروا بذلك، ولا بد أن تعملوا حفريات في الصحاري البعيدة لتجدوا مدينة عمرها أربعة آلاف سنة، وإذا أخرجوا من الحفريات شيئاً بسيطاً كإناء مكسور ضخموا هذا الاكتشاف، وتضيع فيه الملايين، وتضيع فيه الجهود، والهدف هو أن تنقطع صلة الناس بهذا الدين وبلغته وبتاريخه ويصبح تاريخاً جاهلياً، وأيضاً عملوا على إحياء اللغات المحلية والحضارات القديمة، وهدفهم من ذلك تقطيع أواصر هذا الدين، وتقطيع أواصر هذه الأمة حتى لا يجمعها أي شيء، وكان هذا -أيضاً- باباً من أبواب المؤامرة على الإسلام في هذا العصر، وهي مؤامرة -كما قلنا- مستمرة بدأت من الصراع بين آدم عليه السلام وإبليس وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.