للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الحماسة المعتدلة هي المطلوبة]

ولعلي أصل إلى نقطة أخيرة مهمة، فكما قلنا: لا للتهوين نقول: لا للمتهورين.

وقد تتساءل: ما الذي تريد؟ وأين سنصل ونحن ما بين حماسة مدحتها ثم عدت ونقضت أصولها؟ وهنا نكمل بالشق الثاني من عنوانها، ونقف هذه الوقفة الأخيرة في حماسة الأكياس، والمقصود بالأكياس ذوو العقول، وهنا نكون قد جمعنا بين الأمرين.

والحقيقة أن الإنسان بدون الحماسة والحيوية النفسية هو أقرب إلى الجماد وإلى الموات منه إلى الإنسان الذي هو بطبيعته حيوي، والتفاعلات الحيوية في جسم الإنسان كثيرة، ففي الثانية الواحدة تقوم عمليات ضخمة وهائلة في جسم الإنسان، ثم هو بعد ذلك يكون خاملاً وقاعداً وكسولاً! هذا لا يتطابق، لذلك نقول: صفة الحماسة إذا أضفنا إليها هذا الخليط والمزيج من الكياسة أصبحت هي الحماسة الإيجابية التي نمدحها ونريدها، وترشدها تلك النظرة العقلية المتزنة، فتأتينا هذه الصورة التي نريد أن نعطي فيها وصفاً لهذه الحماسة الكيسة أو الكياسة المتحمسة، وكما ذكر الحسن البنا في كلمات جميلة يقول فيها: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهيب الحماسة.

وهذه كلمات جميلة تبين أننا نحتاج إلى المزج، فذلك العقل الذي دائماً هو منطوٍ ولا يريد أن ينطلق يحتاج إلى بعض الحماسة حتى تفك عنه بعض تلك القيود التي يبالغ فيها، وربما تلك الحماسة المندفعة تحتاج إلى بعض قيود العقل حتى يرشدها، فذلك التعقل والاتزان مهم جداً، فالاتزان لا يعرف طغيان جانب على جانب، كما في قصة سلمان وأبي الدرداء، فإنه لما جاء سلمان إلى أبي الدرداء شكت أم الدرداء فقالت: أخوك أبو الدرداء لا حظ له في الدنيا، وإنما هو صائم نهاره قائم ليله.

فنزل ضيفاً عليه، فأراد أبو الدرداء أن يصلي فقال له سلمان: لا.

وكان صائماً فقدم لـ سلمان الطعام فقال: كل معي.

قال: أنا صائم.

قال: افطر.

وجعله يفطر، ثم لما جاء الليل أراد أن يصلي، فقال: نم.

ثم قال: أريد أن أصلي.

قال: نم.

حتى إذا كان نصف الليل قال: قم فصل.

ثم جادله في ذلك، فلما بلغ الأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن لأهلك عليك حقاً، وإن لزورك -أي: ضيوفك- عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه).

وهناك موقف أيضاً لـ عثمان بن عفان رضي الله عنه، فإنه لما كان في فترة خلافته بدأ بعض المرجفين يشيعون انتقادات على عثمان رضي الله عنه، فلما جاء موسم الحج جمع عثمان جمعاً من خيار الصحابة يريد أن يبين للناس خطأ ما يقال عنه، فقال: (لأقومن في الناس مقاماً لا أدع شاردة ولا واردة إلا أتيت عليها) يريد أن يبين للناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: (يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس، ورب كلمة يطيرها عنك مطير).

فتتلقاها عقول لا تستوعب تلك القضايا، وإذا بها بعد ذلك تطيش، وهذا يأخذها يمنة وذاك يأخذها يسرة، وهذا يفهمها على وجه، وذاك يفهمها على وجه آخر.

والكلام في موضعه جعله الشاطبي رحمه الله من السنة، وجعل الكلام في غير موضعه من البدع، كما ذكر ذلك في (الاعتصام)، واستدل بقول علي رضي الله عنه عند البخاري: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟).

وهكذا حديث ابن مسعود في صحيح مسلم قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) وهذا أمر واضح.

وفي الحديبية وقع موقف كبير للنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لما أراد أن يكتب الصلح قال: (أكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله) فقال سهيل بن عمرو: لو كنا نعرف أنك رسول الله ما جادلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.

ولما قال صلى الله عليه وسلم: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم) قال: لا.

ما نعرف ما الرحمن ولا الرحيم، اكتب: باسمك اللهم.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـ علي بن أبي طالب: (اكتب) وعلي غير مستسيغ لهذا، أي: لا يرى ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أوسع فهماً وعقلاً أن يدع هذه الصغيرة من الأمور، فقال صلى الله عليه وسلم: (امحها)، فقال علي: لا والله لا أمحوها.

فمسحها رسول الله بيده، وفي بعض الروايات: (بنفسه)، وكأنه يقول لـ علي: اكتب ودعك من هذه القضية الصغيرة؛ فإن هناك ما هو أكبر منها، ولا تقف عند هذه المسألة وتعطها أكبر من حجمها، وبالتالي تجعل كل توجهك ومواجهتك وقوتك وطاقتك واعتراضك لهذه القضية، فتقيم فيها معركة ضخمة هائلة.

كما نرى من بعض الشباب عندما ينكرون أمراً ليس من الشرع ولا سنة من السنن، حيث يجعلون النكير عليها كأنها أصل الدين كله، وربما جعلوا من ذلك ما يخرجون به إلى تفسيق أو تبديع أو تكفير، إلى غير ذلك مما نريد أن ننبه الناس إليه.

ثم أقول: لابد من الضبط والإحكام لمعالجة مثل هذه القضايا، وقد ذكرت في هذا ما هو مهم جداً، ولعلنا نستحضر مثالاً واحداً: ففي بيعة العقبة قبل أن يبايع الصحابة رضوان الله عليهم جاء أبو الهيثم بن التيهان -وقبل غيره- فقال: اعلموا أنكم إنما تبايعون الرجل على حرب الأحمر والأسود، فإن رأيتم أنكم تسلمونه فمن الآن، أراد أن ينبئهم ويحذرهم، فبايعوه، فقال العباس بن عبادة بن نضلة رضي الله عنه: يا رسول الله! لو شئت أن نميل على أهل هذا الوادي ميلة واحدة لفعلنا.

أي: على أهل منى؛ لأن هذا الكلام كان في الفترة المكية، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نؤمر بذلك).

ولما جاءه خباب في الفترة المكية وقد اشتد الأذى قال: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض ثم يوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فينشر نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه! ما يصده ذلك عن دينه.

ثم قال: والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).