للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[من ثبتت إمامته لا يضر جرحه]

من القواعد المهمة في الجرح والتعديل قاعدة ذكرها السبكي وقال عنها: إنها ضرورية ونافعة، قال: إنك إذا رأيت الجرح والتعديل، وكنت غير عالم بالأمور؛ فلا تحسب أن العمل على جرح هذا الرجل، فإياك وإياك! وذكر القاعدة المهمة، فقال: بل الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره؛ فإنا لا نلتفت إلى جرحه فيه، ونعمل فيه بالعدالة، ولو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون.

وبذلك ينحسم كثير من الفساد بهذه القاعدة، وهي: أنه إذا كثر المزكون فينبغي أن نكون على حذر من الجرح الوارد، فإذا انضم إليه نوع شبهة من خلاف أو تعصب أو غير ذلك غلبنا جانب التزكية المتكاثرة، وأسقطنا جانب هذا الجرح اليسير.

يقول أبو عمر بن عبد البر: الصحيح في هذا الباب أن من ثبتت عدالته، وصحت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، وأيضاً يقول السيوطي: أن الذهبي لم يذكر أحداً من الصحابة ولا الأئمة المتبوعين في كتابه ميزان الاعتدال، وهذا قد صرح به الذهبي فقال: وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً؛ لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة والشافعي والبخاري، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس؛ أي: لأن عنده من الخيرات الشيء الكثير، ومثل هذا الأمر يكثر الحديث فيه كما سيأتي في سرد الأمثلة في آخر حديثنا إن شاء الله سبحانه وتعالى.