للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[تهميش العقول والأفكار هدف رئيسي للمجلات الهابطة]

وهذا هو المعنى الأول الذي نحب الوقوف عنده، وهو: أن الصورة الأساسية في هذه القضية هي تهميش العقل وتسطيح الفكر؛ ولذلك أيضاً مضمون يساعد على هذا سيأتي تفصيله.

وهذه المجلات الذين يدمنون عليها تهدف في مجملها إلى أن يكون القارئ لها المتعلق بها تشغله توافه الأمور، بل حتى فوق أنها تشغله بتوافه الأمور هي أيضاً تشكل لديه عقلية حالمة ليست عقلية عملية؛ لأنها كلها في مسائل الحب، وفي الاهتمام بشراء الكماليات، وكيف يختار الأشياء التي يشتريها، وكيف كذا! وبعض الأمور التي تؤيد هذا المعنى موجودة في مضمون هذه المجلات، وبهذا تصبح القضايا الهامشية هي الأساس.

ولذلك أيضاً في هذا المعنى أؤكد من خلال المضامين وأضرب أمثلة ربما أعتبرها أمثلة صارخة وقوية: في بعض الأعداد من مجلة (كل الناس) في العدد السنوي لها يأتي بدراسة خاصة بها يبلغ العدد مائتين وعشر صفحات، كلها من الأوراق الفاخرة الناعمة الصغيرة، وقيمتها خمسة عشر ريالاً، وقيمة المصحف هذا الذي يباع الآن خمسة عشر، وهذه المجلة قيمتها خمسة عشر ريال، ومع ذلك يشتريها بعض الناس كل شهر! وأضرب أمثلة للقضايا التي تطرح في هذا العدد؛ حيث شملت أكثر من حوالي أربعين صفحة لمضمون واحد وهو: مسألة شراء الأزياء والعطور ونحو ذلك، ومسألة الشراء جعلت في عدة تحقيقات في نفس هذا العدد في سبع صفحات تحت عنوان (الشراء من أول نظرة) كما يقولون: (الحب من أول نظرة) كذلك: الشراء من أول نظرة، فهل تشتري من أول نظرة أم أن المطلوب أن تعرف آراء الناس، ويحصل تحقيق صحفي، ويكون هناك مندوب في لندن يجري مقابلة، ومندوب في جدة يُجري مقابلات أخرى، ويذهبون إلى محلات الأزياء وما إلى ذلك؟!! ثم صفحتان (لماذا نشتري؟) يعني: ما هو دافع الشراء: هل هو حب الاقتناء؟ هل هو المنافسة للآخرين؟ هل هو الاحتياج؟ وبهذا تبلغ الصفحات تسعاً.

ثم أربع صفحات في: الإعلان هل يؤثر على الشراء وعلى المشتري أم لا؟ وصارت الصفحات ثلاث عشرة صفحة.

ثم تحت عنوان (كيف يفكر أكثر الناس في الشراء؟) أي: الذين هم في سن الشباب كيف يفكرون في الشراء؟ وهذا العنوان في ثلاث صفحات، فصارت ست عشرة صفحة.

وبعد ذلك تحت عنوان (أنا اشتريت) ثلاث صفحات، فأصبحت تسع عشرة صفحة.

ثم عنوان: (الإنسان والماركات)، وهل يشتري الماركة أو يشتري البضاعة؟ وهل يبحث عن الاسم؟ وما تأثير ذلك أيضاً؟ وهذا في ست صفحات، فصارت الصفحات خمساً وعشرين صفحة.

وبعد ذلك تحت عنوان: الفصال في المحلات، وكيف يفاصل الإنسان؟ وهل يفاصل النساء أكثر مفاصلة عن الرجال؟ وكيف رأي أصحاب المحلات في المفاصلة؟ وكيف يصنعون؟ وأيضاً هذه في ثلاث صفحات مع خمس وعشرين صارت ثماني وعشرين صفحة.

ثم: مستهلكون سوبر، يعني: الذين عندهم قوة شرائية من الأثرياء، وكيف يشترون؟ وكيف يدفعون هذه الأموال؟ وهذا في صفحتين، فصارت ثلاثين صفحة عن قضية الشراء! وأنا أتصور أن الإنسان يمكن أن يولد وأن يموت وهو لا يحتاج إلى هذا الموضوع قطعاً؛ فيشتري ما يحتاج، والقضية تنتهي، لكن انظر كيف تكون هذه القضية محوراً تحتوي ثلاثين صفحة كاملة في هذا الموضوع.

وهكذا فيها من الصفحات الإعلانية ما يصل إلى هذا العدد، وبهذا يصل العدد إلى نحو ستين صفحة، بما فيه من الإعلانات، وما يلحق بذلك.

فما هي هذه القضية الخطيرة في حياة الناس والتي يتوقف عليها مصيرهم والتي قد تكون بالنسبة لهم قاصمة الظهر أو التي هي نقطة تحول في الحياة؟

الجواب

هي لا شيء، لكنه نوع من إغراق الناس بالتوافه وشغلهم بالسخافات؛ حتى لا يبقى عند الناس قضايا مهمة يفكرون فيها، ولو تأمل الإنسان -لا نريد أيضاً أن نقول: القضايا الإسلامية -بل حتى القضايا التي يعيشها الناس، ألا يعيش الناس في كثير من البلاد العربية والإسلامية وهم ممحونون في المسائل الاقتصادية وممحونون في مسائل الحرية ومسائل الوظائف ومسائل البطالة؟! كل هذه القضايا تنتهي وتتلاشى لتبقى قضية الشراء ومن يشتري! فهل عند هؤلاء الناس أموال حتى يشتروا أو لا؟! وهل عندهم وقت وقد طحنتهم الحياة وسحقوا في كثير من الأوضاع وكثير من البلاد حتى يفكروا بالماركات وأنواع الماركات وكذا؟! لكن هي القضية التي يُراد لها أن تصرف أنظار الناس عن المشكلات الحقيقية في حياتهم.

وأضرب أمثلة سريعة: في بعض هذه المجلات مقال في صفحتين: كيف تصعد المرأة الدرج؟! وكيف تضع طرف الأصابع أو آخر الأصابع؟! وكيف إذا كانت حافية؟! وكيف إذا كانت تلبس حذاءً؟! وإذا كان نوع الحذاء كذا فكيف يكون الصعود مع الخطوات بالترقيم: واحد اثنين ثلاثة إلى آخره؟!! وهذه مجلة أخرى تكتب عن مشكلة مع صورة وتعليق أيضاً: مشكلة ربط الحذاء بالنسبة للأطفال! وكيف تواجه الأم مشكلة ربط الحذاء بالنسبة للطفل؟! وكيف أن بعض الأمهات تتخلى عن ذلك وتشتري حذاءً من غير رباط؟! ومتى يمكن أن يدرك الطفل أو يعرف كيف يربط الحذاء؟ المهم إيجاد شيء وهمي لشغل الناس بهذه السخافات.

وهكذا الكلمات المكتوبة في سؤال من الأسئلة، وكثير من المجلات تجعل صفحتين أو أكثر في السؤال والجواب السريع هذا، مجلات اسمها ويسأل فيها: (فرفوش) وآخر (خربوش) وثالث (العجوز الضاحك)، ومن الأسئلة أنه يقول له: كيف تقضي وقتك؟ فيقول: ربع الوقت أتسكع في الشوارع.

وهناك أيضاً نوع من صرف الناس، فهذه مجلة تنشر عن أبي الهول وعن مشكلة أبي الهول، وما حصل له من التصدع، وتاريخ أبي الهول، وأنه شاهد على الحضارات، وكذا، وبلد مثل مصر كثير من الناس لا يجدون قوت يومهم، ولكن القضية هي أنه يُراد أن يشغل الناس عما هو مهم، فدمروا أبا الهول، ويرتاح الناس، وما أحد خسر شيئاً.

وهكذا القضايا الهامشية التي تثار عن شخصيات كافرة وفارغة، مثلاً: طلاق الأميرة سارة أو كذا، وصفحات عن تاريخ: متى تمت الخطبة؟ ومتى تم العقد؟ ومتى تم الزواج؟ ومتى أول ولد؟ ومتى سافر؟ ومتى جاء؟ وتحقيق كامل عن هذه القضية وآثارها وأصدائها، وما الذي ينفع الناس من مثل هذا الأمر؟ ولكن تجد بعض الناس -للأسف- يدخلون في مثل هذه القضايا.

وهكذا قضايا أخرى مثل قضية ما يسمونه فستان الزواج، وهل تشتريه المرأة؟ وإذا كانت غير قادرة على الشراء فهل تستأجر؟! والآراء في ذلك؛ فالتي ترى أنها لا تستأجر، والتي ترى أن الاستئجار يضيع تخليد هذه الذكرى، وما إلى ذلك من هذه الأمور! وهكذا القضايا والأرقام التي يقولونها: فلان ضرب الرقم القياسي في السباحة، وأطول سندويش، وأكثر لا أعرف ماذا؟! وهذه القضايا كلها تدلنا على هذه النقطة الأولى، ولعلي قد أطلت فيها، لكنها هي جوهر الموضوع، وهي أن هذه المضامين بما فيها من المكتوبات ومن المصورات والموضوعات التي تخصصت فيها إنما غرضها أن تغتال العقل، وأن تميت القلب في حقيقة الأمر؛ وحتى لا يتأمل الإنسان سيرة السابقين وسيرة السلف الصالح، وحتى سير الناس الغربيين وهؤلاء الذين كانوا بالفعل خدموا وقدموا الاختراعات والذين قادوا المعارك والذين أسسوا دول رغم أنهم كانوا كافرين، لكن لماذا لا يذكر على أقل تقدير الجوانب الإيجابية في سيرهم؟ فلماذا فقط الجوانب السخيفة والتافهة هي التي يُراد أن تنقل بين الناس وتشاع بينهم؟! أعتقد أنها قضية واضحة.