للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[نبذة مختصرة عن راوي الحديث ابن شهاب الزهري]

الحديث يرويه الإمام البخاري في صحيحه، وهو من رواية ابن شهاب الزهري، الذي ذكرنا لكم طرفاً من سيرته، والسيرة ذكرها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: [وهو أنه دخل هو وسليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فسأل هشامٌ سليمانَ بن يسار -وهذا الأخير إمام من أئمة الدين- قال له: من الذي تولى كِبْرَه؟] وذلك في قضية الإفك، التي دارت حول عرض عائشة رضي الله عنها، قال الله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:١١]، وبني أمية متعاطفين مع عائشة وضد علي رضي الله عنهما.

فقال: [من الذي تولى كِبْرَه؟ قال سليمان بن يسار: عبد الله بن أُبَي بن سلول -زعيم المنافقين- قال: كذبتَ، بل علي بن أبي طالب، فسكتَ سليمان، قال: أمير المؤمنين أعلم، ثم دخل الزهري قال له: يا زهري! من الذي تولى كِبْرَه في الإفك؟ قال: عبد الله بن أُبَي بن سلول، قال: كذبتَ، بل علي بن أبي طالب، قال: أنا أكذبُ -لا أبا لك-؟! بل كذبتَ أنتَ وأبوك وجدك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبتُ] ابن شهاب هذا لا يعرف الكذب رضي الله عنه وأرضاه، وهو إمام وعَلَم من أعلام الإسلام، وحافظ من حفاظ الأمة، وهو تابعي، أدركَ أبا هريرة، ولقي بعض الصحابة، مثل ابن مسعود، وأخذ عنهم.

يقول هو عن نفسه؛ فهو حافظ، وعقليته عقلية كمبيوتر، لا ينسى شيئاً، فيقول: [والله ما استودعتُ قلبي شيئاً فنسيه قط] ولم يكن له في بيته كتاب واحد، كانت كتبه كلها في رأسه، وما عنده مرجع واحد إلا رأسه، وكانت تودع عنده الأمانات من العلم، إذا أراد الرجل أن يحج أو يغزو أو يسافر، وعنده عشرة أحاديث أو خمسين حديثاً أو ستين حديثاً فإنه يذهب إلى ابن شهاب الزهري ويستودعها عنده حتى يرجع؛ لأنه يخاف أن يسافر، وينساها من جراء أعمال السفر.

وتذكر كتب العلم أن رجلاً غزا في سبيل الله، وكان معه مائة حديث، فجاء إلى ابن شهاب الزهري، وقال: [إن عندي مائة حديث، وإني أخشى أن تتفلت عليَّ، وإني ذاهب للغزو في سبيل الله، أريد أن أستودعها عندك، قال له: كثرت عندنا الأمانات؛ لكن هات ما عندك، فسمَّع ذاك، وهذا يسجل، من مرة واحدة فقط، فذهب الرجل، وبعد عشر سنوات من الجهاد استوطن، ثم حنَّ إلى بلاده ورجع، فلما رجع كان أول شيء يسأل عنه الحديث، يريد أحاديثه، فجاء إلى ابن شهاب، وقال له: يا إمام! إني كنتُ قد استودعتُ عندك مائة حديث قبل سفري إلى الغزو، وقد جئت اليوم، وأنا أريدها، قال: متى؟ قال: قبل عشر سنوات، قال: أبطأتَ علينا -أي: تأخرت علينا- لكن سجل، هات قلمك -ثم يُمليها عليه كاملة، مائة حديث، كأنها مكتوبة بين عينيه-] ويقول هو عن نفسه: [ترددتُ بين الحجاز والشام خمساً وأربعين سنة، والله ما استطرفت بها حديثاً واحداً -يقول: ما وجدتُ طريفاً، أي: جديداً في الشام ولا في الحجاز - إلا وهو في رأسي] كل الأحاديث الموجودة في الشام وفي الحجاز موجودة في رأسه، رضي الله عنه وأرضاه.

يقول الإمام مالك: [جلستُ إلى الزهري، فحدثني بمائة حديث ثم التفت إليَّ -ومالك لا يحتاج إلى تعريف؛ لأنه علاَّمة- فقال: يا مالك! كم حفظتَ من الأحاديث؟ -أي: التي قلتُها لك الآن؟ - قال: حفظتُ أربعين -ومن الذي يحفظ من مرة واحدة أربعين حديثاً؟ أي أن نسبة الحفظ عنده (٤٠%) - قال: حفظتُ أربعين، فوضع الزهري يده على جبهته، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! كيف نقص الحفظ] يقول: كيف نقص الحفظ؟ لم تعد تحفظ إلا (٤٠%)؟ أما الزهري فيحفظ (١٠٠%) كلها فلا ينقص، رحمة الله عليه.

وكانت علومه كلها من رأسه، وكان يكثر من شرب العسل، ويقول: [إن شرب العسل يُقوي الذاكرة] وأنا لا أدري، هل هذا الكلام صحيح أم لا؟ لكن ذكره عنه العلماء، والذي أعرف أن شرب العسل شفاء من كثير من الأدواء، خصوصاً أدواء البطن والقرحة والتهابات القولون وأدواء الباطنية، فهذه كما نص القرآن: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} [النحل:٦٩]، ففيه شفاء؛ لكن أفادنا الإمام هذا أن شرب العسل يقوي الذاكرة، ويجعل الإنسان سريع الحفظ، وبالإمكان -والحمد لله- أن نشرب العسل باستمرار؛ ولأنه لا يضر؛ لأن بعض الشباب أو الناس يقول: أريد أن آكل عسلاً، فإذا أكلت ملعقة يضيمني ويحرقني، هذا بالطبع يحصل؛ لأنه يأكله، فلا تأكله بل اشربه، فهناك فرق بين من يأكل ويشرب؛ لأنك إذا أكلته هكذا ونزل إلى معدتك، فإنه يكون ثقيلاً وحاراً، أما إذا ذوَّبتَه في الماء الفاتر، ثم شربته، فإنه يسري مباشرة من الفم إلى المعدة، والمعدة لا تجري عليه إي إجراء، كل أطعمة الدنيا تحتاج إلى هضم إلا العسل فإنه مهضوم في بطن النحلة، ينزل مباشرة إلى الدم ويسري في الجسم مباشرة، فلا يحتاج إلى أي إجراءات داخلية؛ لأنه كان يكثر من شرب العسل.

يحدث عنه عمرو بن دينار -وهذه عظيمة جداً- يقول: [ما رأيتُ أنَصُّ للحديث من الزهري -أي: أحْفَظَ لِنَصِّ الحديث- وما رأيتُ أحداً أهون عنده الدنيا منه، والله لقد كانت عنده الدراهم كالبَعَر -يقول: الدنيا هذه إذا رآها فما كأنه يقلب إلا بَعَراً- لا يحسب لها حساباً، ولا يعرف لها وزناً].

ويقول عنه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: [عليكم بـ ابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحداً أعلم بالسنة منه رضي الله عنه وأرضاه]