للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[المقصود بالزيادة في الجنة]

وإن سألت عن يوم المزيد؟ يوم المزيد هذا عيد أهل الجنة، مثل يوم الجمعة في الدنيا، يقول الله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق:٣٥] هذا المزيد يحصل فيه شيء وهو التجلي: وهو أن الله يراه أهل الجنة في الجنة في ذلك اليوم -نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يمتع أبصارنا بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة، نحن وآباؤنا وأمهاتنا وإخواننا وجميع إخواننا المسلمين-.

إن سألت عن يوم المزيد، وزيارة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه، كما ترى الشمس في الظهيرة، وكما ترى القمر ليلة البدر لما جاء في الصحيحين: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة النصف لا تضامون في رؤيته) وفي هذه الأحاديث وفي هذه الآيات رد وإبطال لمعتقد الذين يعتقدون: أن الله لا يُرى في الجنة، وهم المعتزلة، وبعض الفرق الضالة الذين ينكرون أدلة صريحة صحيحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تواتر عن الصادق المصدوق، وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير، وصهيب، وأنس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي سعيد يقول: فاستمع يوم ينادي المنادي يقول: يا أهل الجنة! إن الله تبارك وتعالى يستزيركم -من أجل المواجهة والمقابلة- فحي على زيارته فيقولون: سمعاً وطاعة.

وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد هيئت، حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعداً، وجمعوا هناك فلا يغادر الداعي منهم أحداً، أمر الرب تبارك وتعالى بكرسيه فينصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من لؤلؤ، ومنابر من نور، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، وجلس أدناهم -درجاتهم هناك على حسب درجاتهم في الدين هنا- أدنى الناس من يجلسون على كثبان من المسك لا يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم بالعطايا -الذي فوق يعرف أنه أحسن من الذي تحت، والذي تحت لا يرى أن ذاك أحسن منه، من أجل لا يصير في قلبه شيء؛ لأن الله يقول: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:٤٧]- حتى إذا استقرت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم نادى المنادي: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، وينجينا من النار؟ فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نورٌ أشرقت له أطراف الجنة، فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى يضحك إليهم ويقول لهم: يا أهل الجنة! فيكون أول ما يسمعون منه تعالى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني؛ -الله أكبر! - فهذا يوم المزيد؟ فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة! إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد، فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه -هذا أعظم نعيم لأهل الجنة، نعبد الله ونوحده ولكن إذا رأيناه زاد نعيمنا، نسأل الله أن يمتع أبصارنا بالنظر إلى وجهه الكريم- أرنا ننظر إليك، فيكشف لهم الرب جل جلاله الحجب، ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره عز وجل، لولا أن الله عز وجل قضى ألا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه محاضرة، أي: مكالمة (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) يتكلم معك رب العالمين، لا إله إلا الله! حتى أنه يقول لبعض أهل الجنة: يا فلان! أتذكر يوم فعلت كذا وكذا -يذكره ببعض معاصيه في الدنيا- فيقول: رب بلى.

ألم تغفر لي؟ قال: بلى غفرت لك؛ بمغفرتي بلغت منزلتك هذه.

فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة! ويا قرة العيون بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة! ويا ذلة وخيبة الراجعين بالصفقة الخاسرة! {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة:٢٢ - ٢٥].

الفاقرة: المصيبة التي تكسر الفقار، وتكسر الظهر، ما أعظم منها وهي النار -أجارنا الله وإياكم من النار-.

هذه الجنة أيها الإخوة! وما فيها من النعيم يقابلها النار، ولذا يقول أحد السلف: لو أن الله تعبدنا بالدين وأخبرنا أن الذي يطيعه له الجنة، والذي لا يطيعه يصير تراباً، لكان حريٌ بنا أن نطيعه من أجل الجنة.

ولو أنه تعبدنا وأعد لنا النار وقال: من أطاعني صيرته تراباً، ومن عصاني أدخلته النار، لكان حريٌ بنا ألا نعصيه، من أجل النار، فكيف والله تعبدنا وقال لنا: من أطاعني أدخلته الجنة ونجيته من النار، ومن عصاني حرمته من الجنة وأدخلته النار!