للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السلف وطلب العلم]

كان سلف هذه الأمة يقطعون المسافات الطويلة في سبيل تحصيل العلم، وما هذه الآثار العظيمة التي بين أيدينا من كتب وتفاسير ومصنفات وشروحات إ لا نتيجة تحصيل السلف للعلم، حتى إننا نعجز عن عَدِّ أسمائها ومعرفتها فضلاً عن قراءة ما فيها، ومن الناس من عنده كتباً لم يقرأها أبداً، بل من الناس من لا يعرف بعض أسماء الكتب لبعض المؤلفين الكبار.

إذاً: هذه العلوم والثروة العظيمة كانت ببركة الصبر والسعي والجهد والتحصيل العلمي لإرضاء الله عز وجل، لم يدرسوا العلم من أجل الشهادات كما هو الآن في غالب أحوال الناس من طلب العلم للحصول على المؤهل، فإذا حصل على الشهادة نسي العلم كله.

ولهذا لو سألت الطالب الذي يختبر اليوم في مادة التوحيد وعنده بعد يومين مادة التفسير، تعال واسأله بعد أن يخرج من التفسير عن التوحيد الذي دخله قبل يومين، يقول: والله قد نسيت، أين علمك عن التوحيد؟ قال: وضعته في الورقة.

فالهدف من تحصيله للعلم أنه يقدم للامتحان، بينما السلف هدفهم العلم لوجه الله عز وجل.

يروى عن الإمام أحمد إمام أهل السنة رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يحفظ ألف ألف حديث، أي مليون حديث بأسانيدها، وأنه أشكل عليه رجل في سند حديث، فسأل عنه فقيل له: إنه عند عبد الرزاق الصنعاني، صاحب المصنف، وكان يسكن في صنعاء بـ اليمن، وكان الإمام أحمد يسكن في بغداد بـ العراق، فرحل من بغداد إلى اليمن، يريد أن يأخذ السند.

وكان معه في الرحلة يحيى بن معين، ومرا في طريقهما إلى اليمن بـ مكة فحجا، ولما كانا يطوفان بالبيت رأيا عبد الرزاق الصنعاني، قد جاء من اليمن للحج، وكان يحيى بن معين يعرف عبد الرزاق، فسلم عليه بعد أن طاف، وقال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! قد كفيت مسيرة شهر ومؤنتها، يقول: وفر الله عز وجل عليك مسيرة شهر إلى اليمن وأيضاً النفقة فيها؛ لأنها على حسابهم بدون انتداب، وبدون مؤنة، وكانت وسائل النقل في ذلك الوقت الحمير، لا يوجد عندهم سيارات ولا طائرات؛ يمشون على أقدامهم في الحر والقر والبرد والجوع والخوف! وفي سبيل العلم يقطعون كل هذه المسافات، فقال يحيى بن معين للإمام أبي عبد الله: لم لا نسأله الآن؟ قال الإمام أحمد: والله لا نرجع عن النية التي قد أردناها لوجه الله، والله لا آخذ هذا الحديث إلا في صنعاء، لأنني خرجت من هناك لوجه الله، فلا أريد أن أعطل نيتي بطلب العلم، ولا أبد أن أرحل.

ولكن من الناس اليوم من تكون الندوة بجوار بيته، والعالم يأتي إلى قريته، ثم لا يأتي للصلاة؛ لأن المحدث سوف يؤخره نصف ساعة أو ساعة، وبعضهم يأتي يصلي فإذا قام المحدث أو العالم أو طالب العلم يذكر خرج وتركه والعياذ بالله، ربما كانت الحلقة العلمية موجودة في أبها في مسجد الشيخ عائض أو أحمد بن حسن ولكنه لا يحرص على الحضور إليها، وكيف يريد هذا الإنسان أن يرزق العلم، ويؤتى الإيمان، وتحل البركة وهو معرض مدبر عن الله عز وجل! إن أقصى درجاتك أن تحرص على طلب العلم على الأقل بدون شد رحال، فكيف إذا كنت في مدينة تقام فيها ندوات ولا تحضرها؟! أجل.

كيف تريد أن تهتدي؟!