للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أين يتربى الرجال؟]

هذا القلب الذي اتصف بهذه الصفات المذكورة في الآية، ضرب الله عز وجل له المثل بأقوى نور عرفه الإنسان وقت نزول الآية، والله تعالى لا يخاطب الناس بما لا يعلمون، فلا يعدو علم الإنسان -قديماً- بالنسبة للأضواء اللامعة من أن يرى سراجاً في كوة غير نافذة، وعليه زجاجة، وهذه الزجاجة لامعة مضيئة تعكس الضوء كاملاً، ويوقد هذا السراج من زيتونة لا شرقية ولا غربية.

هذا الخبر يثير تساؤلاً في نفس الإنسان، لا سيما من يبحث عن الحق، وهو أن هذا قلب طاهر وعظيم! فأين يوجد هذا القلب؟ وأين يتربى هذا القلب؟ وأين ينشأ؟ وأين يولد؟ وأين مكانه؟ والجواب في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:٣٦]، ومن هنا نعرف كيف يتربى الرجال؟ وأين يتربى الرجال؟ وأين يولد الرجال؟ {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور:٣٦ - ٣٧] , وعلى هذا يقول المفسرون في قول الله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ)) أنها متعلقة بـ (يوقد)، وفي قراءة سبعية: (توقد)، أي: هذا النور يوقد في بيوت أمر الله عز وجل أن ترفع وتُعظم وتقام وتنظف وتطهر، وهي المساجد على رأي جمهور العلماء.

وعلى هذا: فإن المساجد هي مكان ولادة هذا النور، ونشأة هذا الإيمان، وتربية هؤلاء الرجال، ولعل ذلك يقابل ما مر في أول الآية حينما ذكر الله عز وجل الفاحشة، ومواطنها، وأسبابها، ووسائلها، ومقتضياتها، من النظر الحرام، والاختلاط الحرام، والحديث عن الجريمة والفاحشة الذي يسهل الوصول إليها، ويجعلها مألوفة تقبلها الآذان، ثم تتحدث عنها الألسن وتلوكها، ثم يصدق الفرج ذلك أو يكذبه؛ لعل هذا النور الذي ذكره الله عز وجل في المساجد يقابل تلك المواطن التي تنتشر فيها الفاحشة، وعلى هذا فإن من أراد التحصين لنفسه ولأمته ولنشئه، فعليه أن يربي هذا النشء في المسجد، {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:٣٦]، قال بعض المفسرين: (في بيوت) هي: متعلقة بـ (يسبح)، أي: يسبح له في بيوت رجال.

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} أي: أمر وأوجب، ووصى وفرض؛ ولذلك فإن بناء المساجد أمر مرغب فيه، سواء في الآيات أو في الأحاديث النبوية، كما في الحديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، وهذه المساجد هي بيوت الله عز وجل، ويجب أن تصان من كل ما لا يليق بها من الكلام الحرام، والعمل الحرام، وأحاديث الدنيا، وما أشبه ذلك مما يجب أن تنزه عنه المساجد.

وحينما تكون المساجد بهذا المستوى وهذا القدر فإنها تربي هؤلاء الرجال؛ ولذلك يقول الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ)، والمراد بالغدو أول النهار، والمراد بالآصال آخر النهار، أي أن المؤمنين في مداومة واستمرار على طاعة الله وذكره وتسبيحه؛ ولذلك فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل قلبه معلق بالمساجد)، أي: دائماً ينتظر الصلاة، ويلازم المساجد، ويراقب مواعيد الصلاة والأذان، فقلبه معلق بالمسجد دائماً، كلما انتهى من صلاة ينتظر الصلاة الأخرى؛ فهذا من السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أي: في يوم القيامة.