للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[دين الإسلام شامل لجميع جوانب الحياة]

السؤال

ما هو الرد على هذا التساؤل: المتدينون في أغلبهم درجوا على جعل الإسلام عاماً لجميع جوانب الحياة والحضارة، وهذا أدى إلى الطعن في الإسلام من قبل الكفار والمنافقين؟

الجواب

دين الإسلام دين عالمي، ومنهجه منهج حياة متكاملة، يقول الله عز وجل: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:٣٨]، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:٨٩].

ولذلك فإن دين الإسلام دين عالمي حضاري، فيه: منهج حياة، واقتصاد، وسياسة، وأخلاق، واجتماع، إلى غير ذلك، فقد ربى أمة فهمت هذا كله من الإسلام، ثم درج المسلمون على ذلك مدة طويلة من الزمن، ويعتبرون الإسلام هو مصدر الحضارة، والقرآن هو مصدر الرقي والتقدم، ولم يطرقوا جانباً من جوانب الحياة إلا بهدي من كتاب الله عز وجل، والله تعالى يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:٩] أي: للطريقة التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.

هذا فهم المسلمين في القديم وفي الحديث، ثم أراد أعداء الإسلام أن يطعنوا في الإسلام ويفصلوا الإسلام عن الحياة، وجاءوا بما يسمونه بالعلمانية التي يقولون فيها: ما لله لله وما لقيصر لقيصر! هذه كلمة قيلت قبل الإسلام، لكنها لا تصلح للإسلام؛ لأن الإسلام منهج حياة متكاملة، يقول الله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [البقرة:٢٨٤]، فليس هناك شيء لله وشيء لقيصر، بل الأمر كله لله عز وجل، {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}، وعلى هذا نقول: إن الدعوى التي تزعم أن توسيع مسئولية الإسلام هي التي سببت الطعن في الإسلام أو الخروج عن الإسلام باعتبار أنه تعدى الحدود! دعوى خاطئة.

نقول: لا، فهذه كلها في حدود الإسلام، والله عز وجل هو الذي شرع الشرائع، وهو الذي سن القوانين والأنظمة، وسأضرب لكم مثلاً: هناك آيات في القرآن تتحدث عن العبادات ثم تتحدث عن العشرة الزوجية وأنظمة الحياة، كما تجدونها في آخر الجزء الثاني من سورة البقرة، حيث ذكر الله تعالى العبادات ثم ذكر بعدها الأنظمة، ثم يذكر العبادات، ثم يعود مرة أخرى إلى الأنظمة، ليعلم الناس أن الإسلام نظام حياة، حينما يتكلم عن العلاقات الزوجية يقول الله تعالى بعد ذلك: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة:٢٣٨ - ٢٣٩]، إلى غير ذلك، ثم يذكر الله عز وجل مرة أخرى أحكام العلاقات الإنسانية.

وهناك آية في القرآن قسمت إلى ثلاثة أقسام، وهي قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة:٣]، وآخر الآية: {فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:٣].

فهذه الآية أول ما نزل أولها، ثم نزل بعد ذلك آخر جزء منها: (فَمَنْ اضْطُرَّ)، وأما وسط هذه الآية فإنه نزل في آخر ما نزل من الإسلام في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة:٣]، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تشطر تلك الآية وتوضع هذه الآية في وسطها؛ حتى يعلم الناس أن الإسلام ليس منهج عبادة فقط، بل هو منهج حياة متكاملة، ولذلك جمع بين العبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق والأنظمة، وعلى هذا نقول للذين يزعمون أن توسيع دائرة الإسلام هو الذي أدى إلى ضياع بعض المسلمين، وانحرافهم عن الدين: ليس الأمر كذلك، بل هذا هو الذي زاد المسلمين ثقة بدينهم وبربهم وبكتاب ربهم سبحانه وتعالى، أما الذي حرفهم عن التمسك بالدين فهم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.