للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غير أن الإعتناء بالنفوس أهم وألزم لأن خطرها أكبر وأعظم.

إن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، وما البدن إلاَّ آلة لها، ومظهر تصرفاتها. وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها، وإنما رقيُّه وانحطاطه باعتبار رقي نفسه وانحطاطها، وما فلاحه إلا بزكائها وما خيبته إلا بخبثها. فقد قال تعالى. {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (١) وفي الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" وليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية المرتبطة به. وللنفس ارتباط بالبدن كله، ولكن القلب عضو رئيسي في البدن ومبعث دورته الدموية على قيامه بوظيفته تتوقف صُلوحية البدن لارتباط النفس به، فكان حقيقياً لأن يعبر به عن النفس على طريق المجاز. وصلاح القلب بمعنى النفس بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة وإنما يكونان بصحة العلم وصحة الإرادة، فإذا صلحت النفس هذا الصلاح صلح البدن كله بجريان الأعضاء كلها في الأعمال المستقيمة، وإذا فسدت النفس من ناحية العقد أو ناحية الخلق أو ناحية العلم أو ناحية إرادة فسد البدن وجرت أعمال الجوارح على غير وجه السداد. فصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع، والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس. إما مباشرة وإما بواسطة، فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق، والخير، والعدل، والإحسان، إلا وهو راجع عليها بالصلاح، وما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء، إلا وهو عائد عليها بالفساد، فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل،


(٢) ١٠/ ٩١ - ١١ الشمس.

<<  <  ج: ص:  >  >>