تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <   >  >>

ثم قال الحافظ ابن القطان رحمه الله تعالى:

((فإن قيل: هذا الذي ذهبتَ إليه من أن المرأة معفوٌ لها عن بُدُوِ وجهها وكفيها ـ وإن كانت مأمورة بالسَّتر جهدها ـ يظهر خلافه من قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذَين} سورة الأحزاب، الآية 28.

فالجواب أن يقال:

يمكن أن يفسَّر هذا (الإدناء) تفسيراً لا يناقض ما قلناه، وذلك بأن يكون معناه: يدنين عليهن من جلابيبهن ما لا يظهر معه القلائد والقرطة، مثل قوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، فإن

(الإدناء) المأمور به مطلقٌ بالنسبة إلى كل ما يطلق عليه (إدناء)، فإذا حملناه على واحد مما يقال عليه (إدناء) يقضي به عن عهدة الخطاب، إذ لم يطلب به كل (إدناء)، فإنه إيجاب بخلاف النهي

والنفي)).

ويلاحظ القُرَّاءُ الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ

ابن القطان، يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهاداً مني، وتوفيقاً بين الأدلة: أن الآية مطلقة، كما ستراه مصرحاً به، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

نعم، حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين، لولا أن فيه ما بينَّاه في التعليق، إلا أنه من الممكن أن يقال: إنه يُقَوَّى بكثرة طرقه، وقد قوَّاه البيهقي، فيصلح حينئذ دليلاً على الجواز المذكور لا سيَّما وقد عمل به كثير من النساء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته - صلى الله عليه وسلم - وهو لا ينكر ذلك عليهن، وحديث عائشة رواه أبو داود والبيهقي والطبراني وغيرهم وقال أبو داود عقبه: (وهذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة) وقدورد من طرق أخرى يتقوى بها وقوَّاه البيهقي وذكر أن جماعة من الصحابة قد عملوا بمقتضاه. ... ويدل على أن الوجه والكفين لا يجب سترهما عدة أحاديث، نسوق ما يحضرنا الآن منها:

[1ـ عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:]

((شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرَهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن، وذكَّرَهنَّ، فقال: تصدقن فإن أكثركنَّ حطبُ جهنم، فقالت امرأة من سِطَةِ النساء [أي جالسةٌ في وسطهن] سفعاء الخدين [أي فيهما تَغَيرٌ وسوادٌ]، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟

قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن)) رواه مسلم.

والحديث واضح الدلالة على ما من أجله أوردناه، وإلا لما استطاع الراوي أن يصف تلك المرأة

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير