للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وهذا مفاد الفعل الثاني (١). ثم هما كناية عن الاستكبار وعدم الاكتراث، وعدم الالتفات إلى مولي النعم، سواء حصلت هذه الصورة بالفعل أو لم تحصل.

[المعنى]

أ- وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض تمام الإعراض.

إما بعدم قبول تلك النعمة استكباراً، أو تهاونا كما يكون من الذين يكفرون بالقرآن أو يخالفونه، وهو من أعظم نعم الله عليهم.

وإما بعدم القيام بحق الله في تلك النعمة، وعدم شكره عليها، كنعمة العقل، والبدن، والحال (٢) وغيرها ... ، إذا لم تُستعمل في طاعة الله، ولم يقم بحقه فيها.

ب- وإذا مس الإنسان الشر، ونزلت به المصائب، وحلت به النوائب، استولى عليه اليأس والقنوط، وانسدت في وجهه أبواب الرجاء.

[توجيه]

يرتبط اليأس من رحمة الله بالإعراض عن نعمته من جهتين:

الأولى: أن من أعرض عن نعمة الله قطع صلته بخالقه، وذهب ممعنًا في بعده. فإذا نزلت به المصيبة كان كالمنقطع به في البيداء: يجد نفسه وحده فيأخذه اليأس والقنوط من كل جانب.

الثانية: أن الإعراض عن النعمة ترك لها ولموليها، والآيس متروك لوحده، مغضوب عليه، قد تَرَكَ فَتُرِكَ، وكان جزاؤه من جنس عمله.

[انتقال واعتبار]

تلك حالة أهل الإعراض.

أما أهل الإقبال على الله تعالى والقبول لإنعامه، فإن قلوبهم عامرة بالله، وصلتهم متينة به؛ فإذا نزلت بهم المصائب، رجعوا إليه وانتظروا رحمته، فكان ذكره غناهم في الفقر، وأنسهم في الوحشة، ونعيمهم في الألم؛ وكان لهم من الرجاء أنواع رحمته، ما يهون عليهم جميع المصائب.

[تبصير وتحذير]

بصرنا القرآن في هذين الوصفين الذميمين: الإعراض عن النعمة، واليأس من الرحمة، ونحن نراهما فاشيين في أكثر الناس على تفاوت بينهم، على حسب ما عندهم من إيمان وعمل صالح.

بصرنا القرآن بهما ليحذرنا منهما ومن سوء عواقبهما، فإن الإعراض عن النعمة كفر بها


(١) أي " نأى".
(٢) كذا في الأصل. ولعل الصواب (الجاه).

<<  <   >  >>