للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فدل على أن الرغبة والرهبة عليهما وضعت العبادة في جميع الأحوال.

٤ - ومنها الحديث الصحيح:

قالت عائشة- رضي الله عنها-: «كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فَفَقَدْتُهُ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ (١)، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ (٢) أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٣).

ووجه الدليل: أنه في الحال التي هو فيها أقرب ما يكون من ربه، وهي حالة سجوده، استعاذ برضى الله من سخطه، [[وبعافيته]] من عقوبته.

ثم لما لم يستطع الاحاطة بأفعاله، رد الأمر لذاته، فاستعاذ به منه. وهو في الجميع مستعيذ، والمستعيذ طالب، والطالب راج وطامع في نيل المطلوب. فلم يفارق عبادته الرجاء والطمع حتى في هذه الحالة التي بينه وبين ربه، لأنه كان ساجداً في جنح الليل، دون حضور أحد من الناس، إلاّ عائشة التي كانت نائمة واستيقظت، فاطلعت عليه في تلك الحال.

٥ - ومنها الحديث الصحيح عن ابن عباس- رضي الله عنه- الذي كان يعلمهم رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- إياه كان يعلمهم السورة من القرآن رواه مالك وفيه: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (٤).

ووجه الدليل منه: أنه علمهم هذه الاستعاذة الصريحة في الخوف والرجاء كسائر ما علمهم من الدعوات المبنية عليهما.

وهكذا تجد جميع دعواته المأثورة على الرغبة، والرهبة، والرجاء والخوف. ولا تجد دعاء واحداً علمهم فيه أن يتوجهوا إلى الله تعالى، دون رغبة ولا رهبة، ولا رجاء ولا خوف.


(١) «أعوذ برضاك من سخطك»: قال النووي في شرح صحيح مسلم: «
قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا مَعْنَى لَطِيف؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ اِسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطه، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَته، وَالرِّضَاء وَالسَّخَط ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ. وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاة وَالْعُقُوبَة فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْر مَا لَا ضِدّ لَهُ وَهُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى اِسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْر، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَار مِنْ التَّقْصِير فِي بُلُوغ الْوَاجِب مِنْ حَقِّ عِبَادَته وَالثَّنَاء عَلَيْهِ».
(٢) لا أحصي ثناء عليك: أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به.
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٢٢٢. وأبو داود في الصلاة باب ١٤٨. والنسائي في الطهارة باب ١١٩، والتطبيق باب ٤٧ و ٦٦ و٧١ و ٧٢، وعشرة النساء باب ٤. وابن ماجة في الإقامة باب ١١٩. وأحمد في المسند (٦/ ٥٨، ١٤٧، ٢٠١، ٢٣٨).
(٤) الحديث في الموطأ (كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، حديث رقم ٣٣). وأخرجه أيضاً مسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ١٣٤.

<<  <   >  >>