فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[موقف ابن تيمية من الأشاعرة]

¤عبدالرحمن بن صالح المحمود£بدون¥مكتبة الرشد - الرياض¨الأولى¢1415هـ€فرق وملل ونحل¶ابن تيمية - ترجمة كاملة أو دراسة منهجية

الخاتمة

والآن بعد هذه المباحث المتواصلة التي شملت عدة فصول في (موقف ابن تيمية من الأشاعرة) نخلص إلى خاتمة هذه الدراسة باستخلاص النتائج التالية:

1 - أن مذهب السلف يقوم على أساس وقواعد قوية ثابتة، عمادها الكتاب والسنة والإجماع، وكل دعوى في اتباع مذهب السلف لا تقبل ما لم تكن مبنية على منهجهم الواضح المستقيم. ولا تزال – والحمد لله – في كل زمن طائفة قائمة بالحق، تدعو إليه، وتجاهد في سبيله، وتجدد ما اندرس من معالمه، لا يضرها من خذلها ولا من خالف أمرها.

ومن خلال ما كتبه أئمة السنة – وخاصة أصحاب القرون المفضلة – سواء كان شرحاً للعقيدة، أو رداً على خصومها، تكونت معالم بارزة، ومنطلقات واضحة، تحدد المنهج الحق لمن أراد أن يسلكه والطريق الصحيح لمن رام خدمة دينه وعقيدته وابتغاء رضوان ربه.

2 - ومن خلال عرض حياة شيخ الإسلام وعصره، تبين كيف كان ذلك العصر مليئاً بالأحداث الجسام، وكيف كان شيخ الإسلام ابن تيمية علماً بارزا، وإماما عظيما، كان له أثر واضح في تلك الأحداث. السياسية منها والعلمية.

3 - ظهور شيخ الإسلام في ذلك العصر الذي طغت فيه الطوائف المنحرفة من باطنية ورافضة، وصوفية، ومعتزلة وأشاعرة وغيرها – على أنه المدافع والمنافح عن مذهب وعقيدة السلف أمام هؤلاء جميعاً. وقد ترك على إثر ذلك تراثاً ضخماً، تمثل في عشرات المجلدات في شتى الفنون. يجمعها الدفاع عن مذهب السلف والرد على خصومه.

4 - وشيخ الإسلام كان له منهج واضح في عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة أو في الرد على مخالفيها، وأبرز ما في هذا المنهج – إضافة إلى اعتماده على الكتاب والسنة وأقوال السلف، وتأدبه بأدبهم – ثباته على منهج محدد، فلم يتناقض ولم تتغير قناعاته، ولم تختلف به المناهج والسبل كما حدث لغيره، وإنما بقي ثابتا صامدا مع كثرة المحن والأحداث التي مرت به. وهذا واضح جدا في كتبه التي وصلت إلينا، فهي على كثرتها، وتكرار بعض موضوعاتها لم يلاحظ عليه تناقض أو تراجع أو تردد، وهذا راجع إلى سلامة المنطلق والأساس الذي كان يعتمد عليه في كتبه.

5 - أما مذهب الأشاعرة فقد تبين من خلال الفصول المتعلقة به، كيف كانت نشأة المذهب وكيف انتشر وكيف تطور على يد أعلامه لا إلى القرب من مذهب السلف وإنما إلى البعد عنهم، وخاصة قربه من مذهب المعتزلة، والصوفية والفلاسفة.

أما مؤسس المذهب أبو الحسن الأشعري فقد كان أقرب إلى مذهب السلف ممن جاء بعده من أتباعه، وهو وإن كان في الإبانة قرب جدا من السلف إلا أنه بقيت عليه بقايا من مذهب المعتزلة.

6 - أما موقف ابن تيمية من الأشاعرة فقد تبين مما سبق:

أ - أن شيخ الإسلام وهو يواجه أعداء الإسلام من النصارى والتتار والرافضة، إلا أنه لم يقل – كما يدعي البعض – ينبغي أن نتفرغ للعدو الأكبر وندع الخلافات التي بيننا، وإنما رد على هؤلاء وجاهدهم بيده ولسانه وقلمه، كما رد على أشاعرة عصره وفضح ما كانوا فيه من تجهم وتصوف. وبين أن أولئك الأعداء ما تسلطوا على المسلمين إلا لأجل تفريطهم وبعدهم عن مذهب أهل السنة، ووقوعهم في المعاصي والكبائر، والظلم وعدم العدل.

وحين نبدأ ساعة الجد والاجتهاد يركز على العدو الأصلي ويعمل على جمع الصفوف، ولم الشعث، وحث الناس جميعاً على البذل والتضحية في سبيل الله.

ب - ومن خلال ردوده ومناقشاته للأشاعرة برز في منهجه أمران:

أحدهما: إنصاف خصومه الأشاعرة، واعترافه بما معهم من حق.

وثانيهما: الرد عليهم فيما خالفوا فيه مذهب أهل السنة بتقعيد الردود وتأصيلها، إضافة إلى المناقشات المفصلة لكل مسألة من مسائل العقيدة التي جانبوا فيها الحق والصواب.

ومن ثم جاءت ردوده شاملة لمسائل توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، والقدر والإيمان وغيرها.

جـ - وردود شيخ الإسلام أظهرت ما في مذهب الأشاعرة من انحرافات شملت أغلب جوانب العقيدة. ومن ثم فكتبهم الكلامية – وإن كثرت وانتشرت – إلا أنها لا يجوز أن تكون مصدر لتدريس عقيدة أهل السنة والجماعة، كما لا يجوز أن تعتبر ممثلة لمذهب السلف، ولو ادعى ذلك المدعون.

وفي الختام فهذا جهد المقل أقدمه، فما كان فيه من صواب فمن الله وهو المحمود على توفيقه، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>