للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية]

المؤلف/ المشرف:عبد الله بن يوسف الجديع

المحقق/ المترجم:بدون دار الصميعي - الرياض ̈الثانية

سنة الطبع:١٤١٦هـ

تصنيف رئيس:توحيد وعقيدة ومنهج

تصنيف فرعي:أسماء وصفات - كلام الله

خاتمة

بعد هذا البَسْط للعقيدة السلفية واعتقاد أهل البدع، وبه تمَّ المُراد، أذكُر في الختام -بإيجاز- أهم الأسباب التي وقع بسببها الاغترارُ بأهل البدَع -وخاصَّةً الأشعرية والماتريدية- مع الذَّبِّ المُوافقِ للشَّرع عمَّن عُرِفَ بالإمامةِ في الحَديثِ والفقهِ وغير ذلكَ من علومِ الشريعةِ مع انتسابهِ إلى هذه الطوائف.

فمن أسباب الاغترار بأهل البدع - كالأشعرية ونحوهم-:

١ - دعواهم الانتساب إلى أهل السُّنَّة والحديث، وتأكيدُهم ذلك باشتغالِهم بعلوم السُّنَّة، وإسنادِ الروايات، مما هو شِعارُ السَّلف والأئمة.

٢ - انتصارهم للسُّنن في المسائل الفرعية، والدِّفاع عنها، وتصنيف المصنَّفات في ذلك.

٣ - اشتهارُ الكثير منهم بالدِّيانة والصَّلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.

٤ - اشتغالهم بالرَّدِّ على الطوائف المُخالفةِ لشريعة الإسلام، كرُدودِ الأشعرية على المعتزلةِ، والردود على الفلاسفة.

٥ - كثرة الموافقين لهم على مرِّ الزمان.

هذه أهم الأسباب التي اغترَّ بها كثيرٌ من الناس، فهوَّنوا من بدَع هؤلاء، بل إنَّهم جعلوها ستراً يسترون بها فضائح أهل البدع، وغفل هؤلاء عن كون الضلال في الاعتقاد أعظم الضلال، وقد كشفنا لك في قضيةٍ واحدةٍ، وهي قضية (الكلام) عن أباطيل مُذهلةٍ، وضلالاتِ مُهوِّلةٍ.

وهذه الأسبابُ التي ذكرنا يُعدُّ أكثرها حسنات لهؤلاء المبتدعة، لا نبخسهم أشياءهم، وربُّنا تعالى أمرنا بالعدل في الحكم والقول، فصاحبُ البدعة قد يكون فاضلاً لمعانٍ من الفضل فيه، ولكن لكون ما زلَّ به عظيماً -بغض النظر عن قصده ومراده- لتعلقه بأصول الدين، وجب التنبيه على خطره نُصحاً للأمة، لئلا يتضرَّرَ الناسُ ببدعته، خاصَّةً إذا كان من ذَوي الفضائل المشهورةِ والخصالِ المحمودة؛ لأن تأثُّرَ الناس بمن هذا وصفه أشدُّ من غيره، ويبقى قصدُهُ ومُرادُه فيما بينه وبين الله تعالى.

وهذه طريقة السلف، قال البغوي رحمه الله: (وقد مضت الصحابة، والتابعون، وأتباعهم، وعلماء السنة، على هذا مجمعين، متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم) (١).

ومن طالع كتب تراجم الرُّواة ثبت له صحة ذلك.

فلا يجوز للمسلم أن يُهوِّن من شأن البدع، وإن وقعت من فاضل، فإن ذلك مُنافٍ لما أوجب الله تعالى من النصيحة، ومُخالفٌ لمنهج السلف ومواقفهم من أهل البدع.

وفي الأشعرية -مثلاً- علماءُ لهم قَدَمٌ في خِدمةِ الشريعة، أمثال: الحافظين أبي بكر البيهقي، وأبي القاسم بن عساكر، والإمام العز بن عبد السلام، وغيرهم من فُضلاء الأشعرية، نذكرهم بما لهم من المحاسن، غير أنَّنا ننبه على ما وقَعُوا فيه من البدعة، فإنَّ الحق لا مُحاباةَ فيه، ولا تمنعنا بدعتهم من الانتفاع بعلومهم في السُّنن والفقه والتفسير والتاريخ وغير ذلك مع الحذر.

ولنا أسوةٌ بالسَّلف والأئمة فإنهم رَووا السُّنن عن الكثير من المبتدعة لعلمهم بصدقهم، مع نعتهم لهم بالبدعة.

ونجتنب التكفير والتضليل والتفسيق للمُعيَّن من هذا الصنف من العلماء، فإن هذا ليس من منهج السلف، وإنما نكتفي ببيان بدعته وردِّها إذا تعرَّضنا لها، أو خشينا أن يتضرَّر بها الناس، مع اجتناب ذكره بالسُّوء في ذاته بما يزيدُ على ذكر ما في بدعته من مخالفة الدين لما قد يتعدى بنا إلى الغيبة المحرمة.

وهذا كُلُّه في حق العالم إذا لم تغلب عليه البدع والأهواء، وعلمنا منه حرصه على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحري الحق من الكتاب والسنَّة إلا أنه لم يُصبه لشُبهةِ ما أو غير ذلك -شأن الكثير من متقدمي الأشعرية خلافاً لأكثر متأخريهم، فإن لكثير من مُتقدميهم اجتهاداً في طلب الحق-.

أما إذا غلبَت عليه الأهواءُ ومُخالفةُ صريحِ الشريعة، ولم يكن متحرّياً للحق من كتاب الله وسُنّة نبيه صلى الله عليه وسلم فليس له توقير ولا حُرمَةٌ ولا كرامةٌ.


(١) (شرح السنة): (١/ ٢٢٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>