للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الآية على أن من استحل شيئاً مما حرم الله تعالى صار به مشركاً، وقد حرم الله سبحانه الميتة نصاً، فإذا قبِل تحليلها من غيره فقد أشرك". (١)

ومن المعلوم أنه ليس كل من أكل ما لم يذكر اسم الله عليه يكون مشركاً. إنما المشرك من أكل المحرم مستحلاً ومتابعاً في ذلك لمن بدل حكم الله وأحله، بل هو يكفر بالإقرار دون الفعل.

أما من أطاع الحاكم بفعل المعصية من غير اعتقاد استحلالها ولا موافقة الحاكم على إسقاط حكم الله فيها، كمن زنى في بلد يبيح قانونه الزنا، فهذا وقع في معصية لا يكفر بها، لأنه معتقد حرمتها، فحاله كحال سائر الذنوب التي يقع فيها المسلم ولا يستحلها، يقول شيخ الإسلام: "أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب". (٢)

قال ابن العربي: "إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً، إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل، وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص، فافهموه". (٣)

قال النسفي في تفسيره لقول الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مّبينًا} (الأحزاب:٣٦): " فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق". (٤)

ويكفي في تبيان هذا المعنى فهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم،


(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٧٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٠).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٧٨).
(٤) مدارك التنزيل وحقائق التأويل (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦).

<<  <   >  >>