للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وجه ضعيف.

وقال بعض السَّلف: إن كان الرجل ليجلس إِلَى القوم فيرون أن به عيًّا وما به عي إنه لفقيه مسلم.

فمن عرف قدر السَّلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام، والزيادة في البيان عَلَى مقدار الحاجة لم يكن عيًّا ولا جهلاً ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية لله واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع.

وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد والرقائق والحكم والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه.

فمن سلك سبيلهم فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم ودخل في كثرة السؤال والبحث والجدال والقيل والقال؛ فإن اعترف لهم بالفضل وعلى نفسه بالنقص كان حاله قريبًا.

وقد قال إياس بن معاوية: ما من أحد لا يعرف عيب نفسه إلا وهو أحمق.

قِيلَ لَهُ: فما عيبك؟ قال: كثرة الكلام.

وإن ادعى لنفسه الفضل ولمن سبقه النقص والجهل، فقد ضل ضلالا مبينًا وخسر خسرانًا عظيمًا.

وفي الجملة ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالماً عند الله أو لا يرضى إلا بأن يكون عند أهل الزمان عالمًا؛ فإن رضي بالأول فليكتف بعلم الله فيه.

ومن كان بينه وبين الله معرفة اكتفى بمعرفة الله إياه، ومن لم يرض إلا بأن يكون عالماً عند الناس دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١).


(١) تقدم من حديث جابر -دون قوله- "فليتبوأ مقعده من النار".
وهذه الزيادة أخرجها الترمذي (٢٦٥٥) بلفظ: "من تعلم علماً لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار، وهو حديث آخر غير حديث: "من طلب=