للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأجاب عن ذلك بقوله: (بالتأكيد أن المعني الأوّل لا يليق في حق الله إطلاقًا، ولو أخذ به النصارى وادعوا أن عيسى هو ابن الله الوحيد يُقال لهم: إن كل الذين وصفوا بأنهم أبناء الله في التوراة والإنجيل يشاركون عيسى -عليه السلام- نفس الوصف مع أنه مستحيل عقلًا في حق الله، وقد جاءت كل الرسالات لتتريهه عن النقص، إذن لا بد أن يكون للبنوة مفهوم آخر هو المعنى المجازى الذي يليق في حق الله وهو أن البنوة معناها القرب من الله والمحبة والسير على تعاليمه واتباع أوامره واجتناب نواهيه. وفي هذا المعنى يقول من: "أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم ... لكى تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات" (١)) (٢).

وتزيد د/ مريم زامل، على ما سبق بُعدًا توضيحيًا يوضح بُطلان البنوة لله تعالى فتقول: إن عيسى -عليه السلام- قد أوضح لنا هذا المجاز وأن بنوة الله بالأعمال: "أنتم تعملون أعمال أبيكم" (٣) فهي ليست بالتناسل والتوالد وإنما بالعمل الصالح وصدق الإيمان. ونفس المعني ردده "بولس" في رسالته إلى أهك رومية: "لأنّ كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (٤).

وقد جاء في الأناجيل لفظ "ابن الله". بمعنى المؤمن الصالح الطائع، من ذلك ما رواه "مرقس" في إنجيله حيث يقول: "ولما رأى قائد المئة الواقفى مقابله، وأنه صرخ هكذا، وأسلم الروح قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله (٥) " (٦).

ويؤكد هذا الإطلاق -إطلاق لفظ الابن علي المؤمن الصالح- صاحب كتاب الفارق بين المخلوق والخالق - وهو ينتقد ما جاء في من (٥/ ٤٤، ٤٥) "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات" يقول: الذي يظهر من هذه الجمل أن في الزمن الأوّل كانوا يسمون المؤمن الطائع ابن الله كما هو الواضح من نصوص التوراة، وأبناء الله بصيغة الجمع هم المؤمنون الطائعون، كما أن الآب يستعمل. بمعنى الموجد الحقيقى وهو الله تعالى، فلا إشكال ولا بأس إذن بإطلاق لفظ ابن الله على المسيح بالمعنى المذكور وإلا لزم أن يكون جميع المؤمنين أبناء الله حقيقة كالمسيح إذ صرح بقوله: "كونوا أبناء الله" فلا بد من حمل معنى كلامه على ما تقدم (٧).


(١) متى: (٥/ ٤٤، ٤٥) محبة الأعداء.
(٢) مشكلات العقيدة النصرانية ص ٨٣.
(٣) انظر: يوحنا: (٨/ ٤١) أبناء إبراهيم.
(٤) رسالة بولس إلى رومية: (٨/ ١٤) الحياة حسب الروح.
(٥) الإصحاح: (١٥/ ٣٩) الموت.
(٦) موقف ابن تيميه من النصرانية (١/ ٤٣٦).
(٧) الباجة جي زادة البغدادي ص ٧٠.

<<  <   >  >>