للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد احتج النصارى أيضًا على عقيدة الحلول والاتحاد بما جاء في سفر الملوك: "والآن يا رب إله إسرائيل ليتحقق كلامك لداود لأنه حق أن يكون أنه سيسكن الله مع الناس على الأرض وكل من فيها فيكون الرب عليها شاهدًا من بيته القدوس ويخرج من موضعه وينزل ويطأ على مشاريق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب" (١).

تقول د/مريم زامل:

(إذا كان المسيح هو الذي وطئ أطراف الأرض وساكن الناس فيها فإن هذا النص قد عبر عن ذلك بأن الله هو الذي فعل ذلك، فالمسيح إذًا -كما يزعمون- إنما فعل ذلك باعتباره ربًا لحلول الرب فيه واتحاده به) (٢).

ويجيب الإمام ابن تيميه على هذا الدليل بأن هذا السفر "الملوك" يحتاج إلى أن يثبت أن الذي تكلم به نبي وأن ألفاظه ضبطت وتُرجمت إلى العربية ترجمة مطابقة ثم بعد ذلك يُقال فيه ما يقال في أمثاله من الألفاظ الموجودة عندهم، وليس فيها ما يدل على اتحاده بالمسيح فإن قوله: "إن الله سيسكن مع الناس في الأرض" لا يدلّ على المسيح، إذا كان المسيح لم يسكن مع الناس في الأرض، بل لما أظهر الدعوة لم يبق في الأرض إلا مدة قليلة ولم يكن ساكنًا في موضع معين، وقبل ذلك لم يظهر منه شيء من دعوى البنوة فضلًا عن الإلهية ثم إنه بعد ذلك رُفع إلى السماء فلم يكن يسكن مع الناس في الأرض، وأيضًا إذا قالوا سكونه هو ظهوره في المسيح -عليه السلام- قيل لهم: أما الظهور الممكن المعقول كظهور معرفته ومحبته ونوره وذكره وعبادته فهذا لا فرق فيه بين المسيح وغيره. وأما قوله: "فيكون الرب عليها شاهدًا" فيقال شهود الله على عباده لا يستلزم حلوله أو اتحاده ببعض مخلوقاته، بل هو شهيد على العباد بأعمالهم كما قال: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٣)} (٤).

إلى غير ذلك من الردود التي رد بها الإمام ابن تيميه على النصارى وأثبت من خلال التفسير الصحيح للنصوص أن الله -عز وجل- لم يحل بالمسيح -عليه السلام- وقد بين أيضًا أنه مجرد الشك في نبوة حبقوق وأرميا وغيرهم كفيل برد النصوص الواردة التي استدل بها النصارى ونسبوها إليهم .. وهذا كله يُثبت بُطلان عقيدة الاتحاد والحلول.


(١) انظر: ملوك الأوّل: (٨/ ٢٦ - ٢٧) وهذا النص محرف في النسخة الحالية، وليس الملوك الثالث كما ذكر ابن تيميه.
(٢) موقف ابن تيمية من النصرانية: ١/ ٢٣٧.
(٣) سورة يونس الآية: (٤٦).
(٤) الجواب الصحيح: ٢/ ٢٢٨.

<<  <   >  >>