للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أن الشمس إذا غربت عاد الظل الممدود، ثم يقبض الله ذلك الظل بانتشار الظلمة وتزايدها، ولا يُقبِل الظلام كله جملة، وإنما يقبض الله ذلك الظل شيئًا بعد شيء بجزء من سواد الليل (١).

وعلى هذا القول المراد: قبض الظل بسواد الليل. وعلى القول الأول: قبضه بضياء الشمس. وهذا القول أعم؛ لأن الظل إنما يقبض بضياء الشمس، حيث يكون شخص يقع له ظل، فأما البراري والصحاري فإن ظلها يقبض عند طلوع الشمس دفعة واحدة، فيخرج عن قوله: {قَبْضًا يَسِيرًا} ويقوي القول الأول قوله: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} والكناية تعود إلى الظل الذي سبق ذكره؛ وهو: ظل الغداة (٢) بإجماع المفسرين (٣). وفي القول الثاني: الكناية تعود إلى ظل من جنس الظل المذكور.

وقال ابن قتيبة: دل الله -عز وجل- بهذا الوصف على قدرته، ولطفه، في معاقبته بين الظل، والشمس، والليل، لمصالح عباده وبلاده. قال: وهذا القول الثاني أجمع للمعاني وأشبه بما أراد الله (٤). يعني: أنه يشتمل على ذكر الليل، وإدخاله بعد غروب الشمس.

وأجاز أبو علي الفارسي، في قوله: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} قولًا ثالثًا؛ فقال: يجوز أن تعود الكناية من قوله: {قَبَضْنَاهُ} إلى ضياء


(١) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٥، بمعناه. وذكر هذا القول ابن جرير الطبري ٢٠/ ١٩، ولم ينسبه.
(٢) أي: ظل أول النهار. قال تعالى: قال تعالى: {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام ٥٢. الكهف ٢٨] "المفردات"، للراغب ص ٣٥٨.
(٣) سبق أن أشار الواحدي إلى هذا، بقوله: والمفسرون جميعًا قالوا في معنى الظل هاهنا: إنه الظل من وقت طلوع الفجر، إلى وقت طلوع الشمس.
(٤) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>