<<  <   >  >>

الفصل الخامس

الإيمان بالقضاء والقدر

46 - وَمَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الْمُهَيْمِنُ لَمْ يَكُنْ ... وَمَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ لَابُدَّ أَنْ يَجْرِي

47 - وَنَصْبِرُ لِلْبَلْوَى وَنَرْضَى بِمَا قَضَى ... نُسَلِّمُ وَالتَّسْلِيمُ مِنْ سِمَةِ الْحُرِّ (1)


(1) الناظم - غفر الله له - لم يفرق بين الرضا بالقضاء، وبالمقضي، ومذهب أهل السنة التفريق بينهما فالقضاء غير المقضي، والفعل غير المفعول، والله - عزوجل - لم يأمر عباده بالرضا بالمعاصي، والمعائب، ولعل الناظم - رحمه الله - يقصد الرضا بالمقضي الديني الشرعي. إلا أن القول بعدم التفريق بينهما نشأ عند من جعل المشيئة (الأمر الكوني - القدري)، هي نفس المحبة (الأمر الشرعي - الديني)، والفعل عين المفعول، ولازم هذا الدخول في مذهب القدرية، ومذهب المرجئة والجبرية على تفصيل، قال السفاريني في اللوامع (1/ 361): [لفظ الرضا بالقضاء لفظ محمود مأمور به، وهو من مقامات الصديقين، وصار له حرمة أوجبت لطائفة قبوله، من غير تفصيل، وظنوا أن كل ما كان مقضياً للرب - تعالى - مخلوقاً له ينبغي الرضا به، ثم انقسموا فرقتين، فقالت فرقة: إذا كان القضاء، والرضا متلازمين فمعلوم أنا مأمورون بتغيير المعاصي، والكفر، والظلم، فلا تكون مقضية مقدرة - وهم القدرية، وقالت فرقة: قد دلَّ العقل، والشرع على أنها واقعة بقضاء الله، وقدره، فنحن نرضى بها - كالمرجئة، والجبرية، وكل من الفريقين على سبيل ضلال، وانحراف عن نهج الحق، وطريق الصواب].
وقال السفاريني - رحمه الله - في الدرة المضية:
وليس واجباً على العبد الرضا ... بكل مقضي ولكن بالقضا
لأنه من فعله تعالى ... وذاك من فعل الذي تقالا
ولزيادة بيان أنقل لك ما قاله ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص/249) حيث قال: [فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله فكيف ننكره ونكرهه؟!
فالجواب: أن يقال أولا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب، ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط، ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه، ويمقت، ويلعن، ويذم.
ويقال ثانيا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير، وعدل، وحكمة نرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب - تعالى - ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به، والوجه الثاني: تعلقه بالعبد، ونسبته إليه فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدره الله، وقضاه، وكتبه، وشاءه، وجعله أجلا للمقتول، ونهاية لعمره - يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل، وباشره، وكسبه، وأقدم عليه باختياره، وعصى الله بفعله - نسخطه، ولا نرضى به]. وانظر أيضاً: لوامع الأنوار البهية (1/ 360)، وما بعدها، وشرح العقيدة السفارينية للشيخ العثيمين - رحمه الله - (ص/319)، وما بعدها.

<<  <   >  >>