للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على أنَّ هذه الأصول-أعني أصول الفقه- ليست في رتبةٍ يطلب لها القَطْعياتُ من الأخبارِ والدلائلِ؛ لأنها مسائلُ اجتهادٍ، والذي يكشفُ عن انحطاطِ رتبةِ أصلِ الفقه عن رتبةِ أصولِ الديانات، أنَ المخالِفَ لنا فيها لا نكفِّره ولا يُكَفرنا، ولا نُفَسِّقُهُ ولا يُفَسِّقُنا، ولا نبَدِّعُه ولا يُبَدَّعنا، لكن نُخَطِّئه، وانحطاط رتبتهِ على هذا الوجه يحطُّه عن رتبةِ الدلالةِ [في] (١) الثبوت، كالبيِّناتِ؛ يُعتبرُ للعقوباتِ والدماء ما لا يُعتبر للأموالِ، فتَنْحَط بيّنةُ المال إلى شاهدٍ وامرأتين، وشاهدٍ ويمين، من ظاهر العدالة، ولا يُكتفى في الزِّنى إلا بأربعةٍ من الشهودِ الذكورِ المبحوثِ عن عدالةِ باطنهم.

وأما قولُهم: الرَّدُ ضدُ القبول. فقد رضينا بهِ؛ لأنَّ الصحيح من العباداتِ لا يكونُ إلا مقبولاً، ولا يكونُ مردوداً إلا ويكونُ باطلاً، وإنما يلزمُ ذلك من يقول: إنَ الصلاة في الدار المغصوبةِ والسُّترةِ المغصوبةِ صحيحةٌ غيرُ مقبولة. وعندنا لا يُعتد بعبادةٍ يعتريها أو يعتري شرائِطها نَهيُ الشرع.

على أنَّ الردَّ قد يقعُ على الإبطالِ، يقالُ في النظر رددتُ عليه كلامَه، وهذه بينة

مَردودةٌ، وكتابُ الرد على أهل البدع، يَعني به (٢) إبطالَ مذاهبهم.

وأما قولُهم: الذي ليس من ديننا هو ما أُدخِلَ على العبادةِ من الأفعالِ المنهيّ عنها، كالالتفاتِ في الصلاةِ، والسُترةِ بالغصْبِ، وهما جميعاَ ليسا من ديننا- ليس بصحيح؛ لأنَّ الصلاة في الثوبِ المغصوبِ، والدارِ الغصبِ، ومع الالتفات ليس من ديننا، وبيعٌ بشرطٍ فاسدٍ ليس من ديننا، كما أن الشرطَ والاستتار بالغصب، والالتفاتَ في الصلاةِ ليس من ديننا.

وأمَّا قولُهم في الحكم بإفساد العقودِ إنْ قرائنُ اقترنت. لا يَصح؛ لأنه لو كانت هناك قرائنُ عن الألفاظِ لما قَنعَ المحتج بإيرادِ الألفاظ مجردةً عنها؛ لأنَّ عادةَ المحتجِّ


(١) ليست في الأصل.
(٢) تحرفت في الأصل إلى: "يعتريه".

<<  <  ج: ص:  >  >>