للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل

فيما استدل به بعضُ من وافَقنا، وأخرجه مخرجَ الاستبعادِ لمذهبِ الخصمِ، وليسَ بالمعتمد، لكن في ذكرِه فائدةٌ ليتحرَّز من الاعتمادِ عليه.

فمن ذلك: قولُهم: إذا كان الباري قد كلَّفنا أمراً وحُكماً يشملُ الجنسَ ويستغرقُ الطبقةَ، ولم يكن قد وَضعَ للعمومِ صيغةً ترد في كتابه ولا على لسانِ رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والباري ليس بعاجزٍ عن أن يضعَ لذلك صيغةً نعقلُ بها ذلك، فلا وجهَ لذلك، فلم يبق إلا أنه قد وَضعَ لذلكَ صيغةً تقتضيه، كما كلَّف أحكاماً تعمُّ الجنسَ وتستغرق الطبقةَ (١).

ومن ذلكَ: ما قالوا: أليسَ جبريلُ سمِعَ ألفاظاً صالحةً للعموم، ونزلَ بها على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، فبماذا علِمَ؟

وجوابُ القومِ عن هذا سهلُ المتناوَل؛ لأنهم يقولون: إنَ مثلَ هذا لا يمنعُ كونَ الصيغِ صالحةً غيرَ مقتضية، وإنَّ الاعتماد في حصول العموم بها ما يتبعها من قرائنِ الألفاظِ، ورمزِ اللِّحاظِ، ودَلائلِ الأحوالِ، وشواهدِ الأقوالِ التي تجعلُ الألفاظَ كالنصوصِ بارتفاعِ الاحتمالِ، ولو جازَ أن يكونَ هذا رافعاً للاحتمال، جالباً للاقتضاء في هذه الألفاظِ؛ لكانت الصيغُ المشتركةُ، كالقرءِ والشَّفقِ، لا يجوزُ أن تردَ ويجعلَ نفي تجويزِ ورودِها هذه الدلالة.

فيقالُ: إذا كانت الصيغةُ مُترددة (٢) بينَ الأحكامِ، أو الأعيانِ، أو الأوقاتِ المختلِفةِ بل المتضادَّةِ، فكيفَ يكون ترجيحُ بعض (٣) محتملاتِها؟ فلمَّا جازَ ورودُها، وكانَ الاعتمادُ في ترجيحها إلى بعضِ محتملاتها على القرائنِ لها ودلائلِ الأحوال


(١) انظر "الإحكام" للآمدي ٢/ ٢٠٦.
(٢) في الأصل: "المتردد".
(٣) في الأصل: "بعضها".

<<  <  ج: ص:  >  >>