للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حسنٌ ومُستحسَنٌ (١)؟ والكذبُ لا يقعُ مستحسناً، ولأنَه يقابلُ قولهم: حسنَ نفيُه، فكان كذباً، بإنَّه حسنَ إثباتُه، فلا يكونُ كذباً، والكذبُ لا يحسنُ إثباتُه.

وممَّا يُفسِدُ دعواهم الكذبَ: أنَّهم لا يُسمُّونَ مَنْ أكثرَ الاتساعَ في المجازِ والاستعاراتِ كذَّاباً، ومحالٌ أن لا يشتقَّ للمكرِّرِ لنوع من الأفعالِ (فعالاً)، ولهذا قالوا فيمن يكرِّرُ في كلامه التاء ضرورةً: تمتاماً، أو يكرر الفاءَ: فأفاءَ، ومن كرَّرَ التَّهزِّي، سُمِّيَ: هُزَأَةً، فلمَّا مُدِحَ المكرِّرُ للمجازِ بالفصاحةِ والقدرةِ على المنطقِ لغةً، ولم يُذَمَّ شرعاً، ولا قُدح في عدالتِه، عُلمَ أنَّه ليس بكذبٍ، ومن تكرَر منه الكذبُ، كان فاسقاً، ولا أحدَ استجرأَ على تفسيقِ المستعيرِ المتجوِّزِ في كلامِه، فبطلَ ما ادَّعوه.

وأما قولُهم: هو ضدُّ الحقيقة، فيكونُ ضد الحقِّ، وهو الباطلُ، فليس كذاك، لأنَّ الحق غيرُ الحقيقة: ولهذا لفظُ التثنيةِ والتثليثِ حقيقةٌ في الوضعِ للشَرْكِ، وليس بحقٍّ، ورمي الشيء إصابةٌ، وليس بصوابٍ.

وأما دعواهم: أنَّ المجاز لم تستعملْه العربُ إلا للحاجةِ، فبعيدٌ، لأنَّ القوم حسَّنوا به الكلامَ، وإلا ففي (٢) الحقائقِ غنى عن الاستعاراتِ، وذلك أنَّ من وجدَ للرجلِ الذي لا يفهمُ اسمَ: بليدٍ وذاهلٍ، لماذا يقولُ فيه: حمارٌ؟ ومن يمكنه أن يقولَ في الرجل الثابتِ في الحربِ: مِحْراب (٣) وقَتَّال، لماذا


(١) في الأصل: "يستحسن".
(٢) في الأصل: "في".
(٣) المحراب: هو الرجل شديد الحرب.
"اللسان": (حرب).

<<  <  ج: ص:  >  >>