للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نفاهُ، وأنه لو استدلَّ خصمُه لأدركَ مثلَ الذي أدركه من النفيِ لِمَا نفاه، ولعرَفَ من صحةِ إنكارهِ ما عَرَفه هو، فهو في هذا القولِ مُثبتٌ لدليلِ إنكارهِ، وخصمُه مُخالِفٌ له فيه، وعلى مَنْ أثبتَ شيئاً يُخالَفُ فيه أن يَأْتِيَ بدليله إذا ادَّعى ظهورَه، فأمَّا مُدَّعِي المالِ فإنه يَدَّعِي أن له بَيِّنةً على صحة ادعائِه إيَّاه، فلذلك طُولبَ بإحضارها، ولولا أن العقولَ لا تُبطِلُ دعواه، لفَرَّقَ الناسُ بينهما، ولكن لَمًا كان ادِّعاءُ أحدِهما وإنكارُ الآخَرِ يستحيلان في العقول على كلُّ واحدٍ وصاحبِه، وإن كان مُنكِراً لمذهب يزعمُ أنه منكر المالَ، فقد ينبغي أن يزعُمَ أن الذي أسقطَه عندَ إقامةِ البرهانِ على إنكاره: أنه لا سَبيلَ إلى إقامتِه من العقل والحِسِّ إلا بأَخْذِ مَنْ لا سبيلَ له إلى معرفته من خصومه بتصحيحه له؛ إذ ليس لهم عليه دليلٌ ظاهرٌ، ولا يدعوهم إلى مثل ما هو عليه منه، وهذا ما لا يقولُ [به] المُتعلقونَ بهذا الجهلِ.

على أن المُنكِرَ للمال ما خُلِّيَ ومُجرً دَ إنكارِه، إذ لو كان مُخَلَّى (١) وإنكارَه، لكان مجرَّدُ قولِه في جواب المُدَّعي: أستَحِقُّ عليه مئةَ دِرهَمٍ: لا يَستحِق عليً شيئاً ممَّا ادَّعى، كافياً في الردِّ للدَّعوى استناداً (٢) إلى براءَةِ الذِّمَّةِ في الأصل عقلًا وشرعاً، لكنْ لمًا أوجبَتِ الشريعةُ اليمينَ بالله سبحانه -وهي نوعُ حُجَّةٍ في الشرع على مذهب العارفين بالسنَنِ، كهي مع الشاهدِ، ومُعدَّدَةٌ في أَيْمانِ القَسامَةِ (٣) - عُلِمَ


(١) في الأصل: "محلا".
(٢) في الأصل: "إسناداً".
(٣) القَسامة- بالفتح-: اليمين، كالقَسَم، وتقدم بيانها في الصفحة (١٠٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>