للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إحدى الجملتين خبر عن الثيب، والجملة الثانية خبر عن البكر، وقد استوفينا الغرض من ذلك في مسائل الخلاف. الإشارة إليه أن الجملتين نظَّمتا التغاير بين البكر والثيب فجعلت الثيبة مالكة أمرها، وجعلت البكر مملوكاً عليها أمرها، وذلك في حق الأب خاصة؛ لأنه ذكر الصفة في الحكم، وذكرها في الحكم تعديل فجعل الثيب أحق بنفسها لاختبارها الرجال ومعرفتها بالمقصود من النكاح، وردَّ الله تعالى أمر البكر إلى الولي لغرارتها, ولكن ولي تكمل شفقته ويعلم حسن نظره، وهو الأب في ابنته خاصة، فإن قيل: فما معنى الإذن ها هنا حين قال "تُسْتَأُذَنُ في نَفْسِهَا" ما فقيل في الحديث: إنها تستحي (١) فقال: (إِذْنُهَا صُمَاتُهَا).

قلنا: هذا هو الذي أشكل على كثير من العلماء واختلف فيه قول مالك، رضي الله عنه، فتارة اعتقد في البكر أنها اليتيمة (٢)، وكذلك يروي أنه فسرها شعبة في هذا الحديث فقال: (وَالْيَتيمَةُ تُسْتَاذَنُ في نَفْسِهَا) وتارة قال: إنها البكر (٣) في حق الأب، وهو الصحيح الذي به ينتظم مساق الحديث ويكمل المعنى. وقال أهل العراق: إذا بلغت البكر لم يزوِّجها أحد إلا بإذنها، لا من أب ولا من سواه، وهذا فاسد (٤)؛ فإن الحديث بنظمه وتعليمه يقتضي أن يملك الأب عليها النكاح؛ لأنه إنما جعل الثيب أحق لكونها ثيباً، ولما كانت فائدة الولي في النكاح حفظ المرأة من الوقوع في غير الكفؤ فتلوِّث نفسها، وتلحق العار بحسبها، رأى مالك، رضي الله عنه، أن الدنيئة المقطوعة لا يرتبط أمرها بالولي، في


(١) متفق عليه. إلبخاري في النكاح باب لا يُنكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما ٧/ ٢٣، ومسلم في النكاح باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت ٢/ ١٠٣٧، والنسائي ٦/ ٨٥ - ٨٦ كلهم عن عائشة.
(٢) قال في المدونة: الأمر عندنا في البكر اليتيمة. المدونة ٢/ ١٤٢.
(٣) قال الباجي: قوله - صلى الله عليه وسلم - "الْبِكْر تُسْتَأذَنُ في نَفْسِهَا" قال ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد عن مالك في المدونة: يريد البكر التي لا أب لها لأنها هي التي تُستأذن، وقد روى هذا الحديث زياد بن سعد فقال فيه: (والبكر يستأذنها أبوها). وصواب هذا الحديث ما رواه مالك، وقد تابعه عليه سفيان الثوري وكل واحد منهما إمام: إذا انفرد قوله غلب على قول زياد فكيف إذا اتفقا على خلافه، وقد رواه صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل فقال فيه (واليتيمة تستأمر) وهو أثبت من زياد بن سعد وقوله أولى من جهة النظر، ولعل عبد الله ابن الفضل لعلمه بالمراد به كان مرة يقول (والبكر تستأذن) ويقول مرة (واليتيمة تستأمر) وقد روى هذا الحديث شعبة عن مالك فقال فيه (واليتيمة تستأمر). المنتقى ٣/ ٢٦٦، وانظر المدونة ٢/ ١٤٢، وشرح الزرقاني ٣/ ١٢٧.
(٤) انظر شرح فتح القدير لابن الهمام ٢/ ٣٩٥، ونصب الراية ٣/ ١٩٠.

<<  <   >  >>