للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: " اكْتُبُوا لأَبِى شَاهٍ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا

ــ

قال القاضى: معنى ما ذهب إليه أبو عبيد هو ما ذهب إليه المخالف، أى أنه لا تحل لملتقطها البتة، وليس يحل له إلا إنشادها والتعريف بها كما جاء فى الرواية الأخرى: " إلا لمعرف " وحكى معناه عن ابن مهدى، وحكى عن غيره: المنشد: الطالب، أى ربها، قال: ولا يجوز أن يقال للطالب: منشد، قال: وفيها قول ثالث: أراد أنه [إن] (١) لم ينشدها لم تحل له، أى لا تحل له إلا بعد الإنشاد وألا يجىء لها طالب.

قال القاضى: وهذا يأتى على أنها وغيرها من لقطات البلاد سواء، وقال ابن قتيبة: معناه: أنه لا يحل التقاطها إلا بنية الإنشاد دون التعريف وإلا فليدعها، قال: لعل صاحبها ربما تذكَّرها، فطلبها حيث تركها فلم يجدها، فالواجب على من وجدها ألا يتعرض لها، إلا أن يأخذها لِيُعرفها. وقال غيره: معناه: لا يحل التقاطها إلا أن يسمع من ينشدها فيأخذها ويرفعها، وهذا حكم هذه.

قال القاضى: وإنما فرّق من فرّق بين لقطة مكة وغيرها؛ لأن سائر المسافرين من البلاد النائية لغيرها لا يتكررون فى أسفارهم إليها غالباً، والغالب ترددهم سَنةً فى أسفارهم، فضرب الإنشاد للضالة هذه فى غير مكة سنة لهذا؛ لأنه إن كان صاحبها من أهل البلد أو مسافراً فيه أو بقربه، لابد يبلغه خبرها بالإنشاد سَنة، فإذا كملت السنة غلب اليأس أنها لغير حاضر، وأنها إما لميتٍ أو منقطع الغيبة بعيد. ومكة فكثير من الناس يرجع إليها ويتردد للحج والعمرة عليها، وإن لم يكن هو فلا ينفك الجماعة من أهل بلده وقرابته [من] (٢) للحج، فيبلغه خبر لُقَطَتِه، فخصت بذلك دون غيرها عند هؤلاء، وهذا قول الشافعى وعبد الرحمن بن مهدى وغيرهما، وأما مالك وأصحابه فلقطة مكة وغيرها عندهم سواء، فى أنها لا تُملك وإنما له إمساكها بعد السَنة على ربها، أو تكرار إنشادها، أو يتصدق بها ويضمها لصاحبها، أو يستنفقُها على وجه السلف إن احتاج إليها ليغرمها لصاحبها، وقيل: ليس له هذا إلا أن يكون له وفاؤها وهو صحيح. فعلى هذا هم مجمعون على أنه لا يحل استنفاق لقطة مكة، وإنما اختلفوا فى غيرها بعد السنة، إلا ما ذكرناه على تأويل بعضهم، وسيأتى بقية الكلام عليها فى موضع ذلك من كتاب مسلم.

وقول العباس: إلا الإذخر. فقال: " إلا الإذخر ": وهو نَبْت معلوم، وقد قال - عليه السلام -: " إن الله حرمها ولم يحرمها الناس " (٣) فاستثناء النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإذخر يدل على أنه مما لم يحرمه الله، وأن حرمتها هى فى نفسها من تحريم الله. ومن هذه المحرمات ما حرم الله ومنها ما حرمه - عليه السلام - أو جميعها من تحريمه - عليه السلام. وقال المهلب: وقد


(١) و (٢) ساقطة من الأصل، واستدركت فى الهامش بسهم.
(٣) البخارى، ك العلم، ب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ١/ ٣٧، الترمذى، ك الحج، ب ما جاء فى حرمة مكة (٨٠٩)، ابن ماجة، ك المناسك، ب فضل مكة (٣١٠٩)، أحمد ١/ ٢٥٣، ٣١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>