للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فى الاقتيات، ويرى أن العلة الثمينة لم يتفق وجودها إلا فى الذهب والفضة ولو اتفق أن يجيز الناس بينهم الجلود لنهى عن التفاضل فيها.

وأما الشافعى فتطلب علته فحرم التفاضل فى كل مطعوم، وأبو حنيفة يحرمه فى كل مكيل أو موزون.

فأما مالك فإنه استلوح ما قال لأجل أن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو أراد الكيل أو الوزن لاكتفى بأحد هذه الأربعة فى الكيل، ولا تظهر للزيادة على الواحد فائدة، وكلامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كله فوائد، لاسيما فى تعليم الشرائع وبيان الأحكام، وكذا كان يقتصر على واحد منها لو كانت العلة كونها مطعومة؛ لأن الواحد منها كما سواه مما ذكر معه فى الحديث.

ونقول: لما علم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن المراد الاقتيات أراد أن يبينه (١) عليه ليبُقى للعلماء مجالاً فى الاجتهاد، ويكون داعياً لبحثهم الذى هو من أعظم القرب إلى الله - سبحانه - وليوسع لأمته فى التعبد على حسب سعة أقوال علمائها، وربما كانت التوسعة أصلح للخلق أحياناً، فنص على البر الذى هو أعلى المقتاتات، ثم نص على الشعير الذى هو أدناها لينبه بالطرفين على الوسط وتنظيم الحاشيتين ما بينهما، وإذا أراد إنسان ذكر جملة الشىء فربما كان ذكر طرفيه ونهايته دل على استيعابه من اللفظ الشامل له.

ولما عهد النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عادة الناس فى زمنه أكل البر مع السعة (٢) والاختيار والشعير مع الضرورة والإقتار كان ذكره لهما تنبيهاً على السلت والأرز والذرة والدخن؛ لأن من اعتاد أكلها فى بعض البلاد، إما أن يأكلها فى حال سعته؛ فيكون ذكر القمح منبهاً له على حكمها، أو فى حال صفته، فيكون ذكر الشعير منبهاً له. ولو اتفق أن يكون الدخن أو غيره هو الغالب فى زمنه فى قوت أهل الأقتار، لأمكن أن ينبه به بدلاً من الشعير. وأما التمر فإنه وإن كان يقتات ففيه ضرب من التفكه، والطبع يستحيله حتى أن يؤكل على غير جهة الاقتيات، فأراد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يرفع اللبس لأجل هذا المعنى الذى انفرد به وينص عليه مشيراً إلى أن كل مقتات وإن كان فيه زيادة معنى فإن ذلك لا يخرجه عن بابه.

ولما علم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذه الأقوات لا يصح اقتياتها إلا بعد إصلاحها، وإذا لم تكن مصلحة تكاد أن تلحق بالعدم الذى لا ينتفع به فى القوت، أعطى ما لا قوام لها إلا به حكمها، ونبه بالملح على ما سواه مما يحل محله فى إصلاحها؛ لأنه لا يقتات منفرداً، ولكنه يجعل ما ليس بقوت قوتاً.

وأما الشافعى فإنه استلوح ما ذهب إليه من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى حديث آخر: " الطعام


(١) فى ع: ينبه، والمثبت من الإكمال.
(٢) فى ع: السلعة، والمثبت من الإكمال.

<<  <  ج: ص:  >  >>