للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديا من غضب رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، واتباعًا لأمره، فواللَّه ما نسخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحّ حرف واحد يعارضه، ولا خصّ به أصحابه، دون من بعدهم، بل أجرى اللَّه على لسان سراقة أن سأله هل ذلك مختصّ بهم؟، فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكّد الذي غضب رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - على من خالفه.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد أطال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "الهدي" نفسه في تحقيق هذا المقام، وإيضاحه أتم إيضاح بما لا تراه في كتاب غيره، فعليك بمراجعته ٢/ ١٨٠ - ٢٢٣.

والحاصل أن الأرجح وجوب فسخ الحجّ بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي ممن أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنًا؛ وإنما ملتُ إلى ترجيح الوجوب لتأكيد النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - أمره، حيث غضب على الصحابة في توقفهم، كما تقدّم في حديث البراء - رضي اللَّه تعالى - عنه، فلو كان الأمر للندب لكان الصحابة مخيّرين بين فعله وتركه، ولما كان - صلى اللَّه عليه وسلم - يغضب عليهم عند مخالفتهم له؛ لأنه لا يغضب إلا حيث تُنتهك حرمات اللَّه تعالى، لا لمجرد مخالفة ما أرشد إليه على جهة الندب، ولا سيّما وقد قالوا له: قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عمرة؟، فقال لهم: "انظروا ما آمركم به، فافعلوا"، فإن ظاهر هذا أن ذلك الأمر حتم لازم؛ إذ لو كان لبيان الأفضل، أو لقصد الترخيص لهم لبيّن لهم بعد هذه المراجعة، بأن يقول لهم: إن ما أمرتكم به هو الأفضل، أو قال لهم: إني أردت الترخيص لكم، والتخفيف عنكم.

وخلاصة الأمر أن من لم يسق الهدي عليه أن يتحلل بعمل العمرة، ثم ينشىء الحجّ يوم التروية من مكة، كما أمر النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - بذلك أمرًا مبرمًا جازمًا مطلقًا عامًّا إلى يوم القيامة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٢٨٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ يَحْيَى, عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم -, لَا نُرَى إِلاَّ أَنَّهُ الْحَجُّ, فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ, أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم - مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ, أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحِلَّ").

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.

و"يحيى" الأول هو القطّان، والثاني هو الأنصاريّ.