للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله انتهى (١).

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم -: يَوْمَ الْفَتْحِ) الظرف متعَلّق بقال (هَذَا الْبَلَدُ) يعني مكة، أو أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللَّهُ) أي حكم بتحريمه، وقضاه، وظاهره أن حكم اللَّه تعالى في مكة أن لا يقاتَلَ أهلها، ويؤمّن من استجار بها, ولا يتعرّض له، وهو أحد أقول المفسّرين في قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} الآية [العنكبوت: ٦٧] {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} يعني أن تحريمه أمر قديم، وشريعة سالفة مستمرّة، فليس تحريمه مما أحدثه الناس، أو اختصّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله - صلى اللَّه عليه وسلم - في حديث جابر عند مسلم، وحديث أنس عند البخاريّ: "إن إبراهيم حرّم مكة". لأن إسناد التحريم إليه من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام هو اللَّه تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف إلى اللَّه تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم، وتبيّن على ألسنتهم.

والحاصل أنه أظهر تحريمها، مبلّغًا عن اللَّه تعالى بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأه.

وقيل: إنه حرّمها بإذن اللَّه تعالى. يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة بأمر اللَّه تعالى. كذا في "إرشاد الساري".

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأخير ضعيف، يضعفه قوله - صلى اللَّه عليه وسلم -: "ولم يحرمها الناس". واللَّه تعالى أعلم.

وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قوله: "إن إبراهيم حرّم مكة": أعلن بتحريمها، وعرّف الناس بأنها حرام بتحريم اللَّه إياها، فلما لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: {اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} الآية [الزمر: ٤٢]، فإنه أضاف إليه التوفّي، وفي آية أخرى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} الآية [السجدة: ١١]، فأضاف إلى الملك التوفّي، وقال في آية أخرى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} الآية [النحل: ٣٢] فأضاف إليهم التوفّي، وفي الحقيقة المتوفّي هو اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، وأضافه إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم انتهى.

فلا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: "إِنّ إبراهيم حرّم مكة" أي بأمر اللَّه تعالى، لا باجتهاده، أو أن اللَّه قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند اللَّه


(١) - "فتح" ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢.