للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تحصّل مما تقدّم أن حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - صحيح مرفوعًا، ويشهد له ما أخرجه المصنّف هنا عن رجل أدرك النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم -، فإنه شاهد صحيح لا كلام فيه، وأيضًا إن وقفه لا يضرّه؛ لأن الراوي قد يوقف الحديث تارةً، ويرفعه أخرى حسب المناسبات، كما هو معروف، فالحديث صحيح على الوجهين مرفوعًا وموقوفًا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان إباحة الكلام. (ومنها): بيان فضل الطواف، حيث إنه مثل الصلاة (ومنها): أنه يستحب فيه ذكر اللَّه تعالى، فإن الصلاة كلها ذكر، ودعاء، وتضرّع، فينبغي أن يكون الطواف في ذلك مثلها. (ومنها): أنه وإن كان الكلام مباحًا في الطواف غير أنه ينبغي تقليله مهما أمكن. (ومنها): أن الشيخ ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى- استنبط من هذا الحديث أن الطواف أفضل أعمال الحجّ؛ لأن الصلاة أفضل من الحجّ، فيكون ما اشتملت عليه أفضل. قال: وأما حديث: "الحجّ عرفة"، فلا يتعيّن التقدير معظم الحج عرفة، بل يجوز: إدراك الحج بالوقوف بعرفة. انتهى.

قال الحافظ: وفيه نظر، ولو سُلم فما لا يقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف، والطواف سواء في ذلك، فلا تفضيل انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): استَدَلّ بحديث الباب من قال بوجوب الطَّهارة للطواف، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، والثوريّ، وإسحاق، وأبي ثور. وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم.

وذهبت الحنفية إلى أن الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ طوافه. واختلفوا في كون الطهارة واجبة، مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيده ما دام بمكة.

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟، فلم يروا به


(١) - راجع "إرواء الغليل" ١/ ١٥٤ - ١٥٧.
(٢) - "فتح" ٤/ ٢٨٥.