للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

شرح الحديث

(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم - مَكَةَ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي المسجد الحرام (فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) أي الأسود، وفي رواية مسلم: "فاستلم الركن". والاستلام افتعال من السَّلام -بفتح السين- بمعنى التحيّة، وأهل اليمن يسمّون الركن بالمحيَّا؛ لأن الناس يحيّونه بالاستلام. وقيل: من السِّلَام - بكسر السين- وهي الحجارة، واحدتها سَلِمة -بكسر اللام-، يقال: استلم الحجر: إذا لَثَمه، وتناوله، والمعنى وضع يديه عليه، وقتله (ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ) أي أخذ في الطواف من يمين نفسه، أو يمين البيت، يعني أنه بدأ من يمين البيت، إذ الحجر الأسود في يمينه، فإذا بدأ به، فقد بدأ باليمين، ويمين البيت إنما يظهر للمحاذاة للباب، إذ الباب بمنزلة الوجه، فما كان في يسار المحاذي، فهو يمين البيت على قياس من يُحاذي وجه إنسان، فيسار المحاذي يمين من يحاذيه، والأقرب هو الأول، وهو أن المراد يمين الطائف، قاله السنديّ.

ونقل السيوطيّ، عن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، أنه قال: يجعل الطائف البيت عن يساره، ويبدأ بالحجر الأسود؛ لأن الحجر إذا استقبل البيت من ثنية كدى، من باب بني شيبة يبقى في ركن البيت على يسارك، وهو يمين البيت؛ لأنك إذا قابلت شخصًا، فيمينه يسارك، ويساره يمينك، والذي يلاقيك من البيت هو وجهه؛ لأن فيه بابه، وباب البيت أيَّ بيت كان هو وجه لذلك البيت، والأدب أن لا يؤتى الأفاضل إلا من قبل وجوههم، ولأجل ذلك كان الابتداء بثنيّة كدى. والأصل في كلّ قربة يصحّ فعلها باليمين واليسار أن لا تُفعل إلا باليمين، كالوضوء، وغيره، فإذا ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يساره كان قد ابتدأ باليمين والوجه معًا، فيجمع بين الفاضلين الكريمين، ولو ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يمينه ترك الابتداء بالوجه، ويمينُ البيت جميع الحائط الذي بعد الحائط الذي فيه الباب (١)، ويسار البيت الحائط الذي يقابله، ودُبُر البيت الحائط الذي يقابل الحائط الذي فيه الباب انتهى (٢).

وفيه استحباب ابتداء الطواف من اليمين (فَرَمَلَ) بفتح الميم، من باب نصر، والرمَلُ -بفتحتين-: إسراع المشي مع تقارب الْخُطَا، وهو الخبب، وهو دون العدو، والوثوب. وفي "المرعاة": أي مشى بسرعة مع تقارب الْخُطَا، وهزّ كتفيه


(١) - وقع في "شرح السيوطيّ" "فيه البيت"، والظاهر أنه تصحيف في "الباب". واللَّه تعالى أعلم.
(٢) - "فتح" ٤/ ٢٢٨ - ٢٣٠.