للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الأقران، وفيه أبو جمرة، مشهور بكنيته، وليس له مشارك في هذه الكنية في الكتب الستّة. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ زَهْدَمٍ) بوزن جعفر بن مُضَرِّب -بضمّ الميم، وفتح المعجمة، وتشديد الراء المكسورة، بعدها موحّدة- (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَينٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم -، قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي) أي أهل قرني. قال أبو العبّاس القرطبيّ --رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "القرن" -بفتح، فسكون- من الناس: أهل زمان واحد، قال الشاعر [من الطويل]:

إِذَا ذَهَبَ الْقَرْنُ الَّذِ أَنْتَ فِيهِمُ … وَخُلِّقتَ في قَرنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ

وقيل: مقدار زمانه ثمانون سنة. وقيل: ستون. ويعني أن هذه القرون الثلاثة أفضل مما بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده، هذا ظاهر الحديث، فأما أفضليّة الصحابة، وهم القرن الأول على من بعدهم، فلا تخفى، وقد بيّنّا إبطال قول من زعم أنه يكون فيمن بعدهم أفضل منهم، أو مسوٍ لهم في "كتاب الطهارة" (١). وأما أفضليّة من بعدهم، بعضهم على بعض، فبحسب قربهم من القرن الأول، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين، ونشر العلم، وفتح الأمصار، واخماد كلمة الكفر، ولا خفاء أن الذي كان من ذلك في قرن التابعين كان أكثر، وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم، ثم بعد هذا غلبت الشرور، وارتُكبت الأمور، وقد دلّ على صحّة هذا قوله في حديث أبي سعيد - رضي اللَّه عنه -: "يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم … " الحديث (٢). انتهى كلام القرطبيّ (٣).

وقال في "الفتح": والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبيّ، أو رئيس يجمعهم على ملة، أو مذهب، أو عمل، ويُطلق القرن على مدّة من الزمان، واختلفوا في


(١) سيأتي نقل كلامه هذا بنصّه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) متّفقٌ عليه.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦. "كتاب النبوّات".