للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

الأعرج، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدر، أي حال كون الحديث كائنًا مما الخ (مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي مما ذكر الأعرج أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، وإعرابه كسابقه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-) أنه (قَالَ: "إِنَّمَا الإِمَامُ) المراد به كلّ قائم بأمور الناس (جُنَّةٌ) أي كالسترة؛ لأنه يمنع العدوّ منْ أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم منْ بعض، ويحمي بيضة الإِسلام، ويتّقيه الناس، ويخافون سطوته (١).

وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْمِجَنّ، والْجُنّة، والجانّ، والجنّة، والجِنّةُ كله راجع إلى معنى الستر، والتوقّي. يعني أنه يُتّقَى بنظره، ورأيه فِي الامور العظام، والوقائع الخطيرة، ولا يتقدّم عَلَى رأيه، ولا ينفرد دونه بأمر مهم حتى يكون هو الذي يَشرَع فِي ذلك. انتهى (٢).

(يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُقاتل معه الكفّار، والبغاة، والخوارج، وسائر أهل الفساد، والظلم مطلقًا.

وَقَالَ القرطبيّ: معنى: "منْ ورائه" أي أمامه، ووراءُ منْ الأضداد، يقال بمعنى خلفُ، وبمعنى أمام، وعلى هَذَا حمل أكثر المفسّرين قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} الآية [الكهف: ٧٩] أي أمامهم، وأنشدوا قول الشاعر [منْ الطويل]:

أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي … وَقَوْمِي تَمِيمٌ والْفَلاةُ وَرَائِيَا

وأصله أن كلّ ما توارى عنك، أي غاب، فهو وراء. وهذا خبرٌ منه صلّى الله تعالى عليه وسلم عن المشروعيّة، فكأنه قَالَ: الذي يجب، أو يتعيّن أن يُقاتل أمام الإِمام، ولا يُترك يُباشر القتال بنفسه؛ لما فيه منْ تعرّضه للهلاك، فيَهلِك كلُّ منْ معه، ويكفي دليلاً فِي هَذَا المعنى تغبيةُ (٣) رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم أصحابُه يوم بدر وغيره، فإنه صلّى الله تعالى عليه وسلم كَانَ فِي العرِيش فِي القلب، والمقاتلة أمامه.

قَالَ: وَقَدْ تضمّن هَذَا اللفظ عَلَى إيجازه أمرين: كون الإِمام يُقتدى برأيه، ويُقاتل بين يديه، فهما خبران عن أمرين متغايرين، وهذا أحسن ما قيل فِي هَذَا الحديث, عَلَى أن ظاهره أنه يكون امام الناس فِي القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بيَّنَّاه. والله تعالى أعلم. انتهى ببعض تصرّف (٤).


(١) "شرح مسلم" ١٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤. "كتاب الإمارة".
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٦.
(٣) هكذا النسخة بالغين المعجمة، والظاهر أنه منْ غبي بمعنى خفي، فيكون منْ إضافة المصدر إلى مفعوله، ورفع الفاعل، وهو "أصحابه".
(٤) "المفهم" ٤/ ٢٦.